تثير عملية الطعن التي تعرض لها شرطي خلال عمله على أحد الحواجز الأمنية بغزة، مساء الاثنين، وما تردد عن وقوف شخص يحمل توجهات الجماعات المتطرفة، وراءها، هواجس من تكرار هذه الحوادث، في ظل التغيرات السياسية التي يشهدها القطاع، بعد أن بقيت طوال السنوات الماضية معزولة، في ظل البيئة الأمنية الصارمة في قطاع غزة. 

واكتفت وزارة الداخلية بالإعلان عن إصابة شرطي بحالة خطيرة في عملية طعن تعرض لها خلال عمله على أحد الحواجز بغزة، وأنه جرى التعامل مع المعتدي الذي أصيب مع فتح تحقيق بالحادث.

وعلى مدار السنوات الماضية، شهد قطاع غزة، حالات مواجهة محدودة بين القوى الأمنية الموالية لحماس، وأفراد أو مجموعات معزولة تحمل فكر "السلفية الجهادية" وتصفها وزارة الداخلية بأنهم أفراد يحملون "الفكر المنحرف".

أبرز المحطات

وشهد أغسطس الماضي، أخطر حلقات المواجهة، عندما أقدم شخص على تفجير نفسه بأحد أفراد الأجهزة الأمنية نضال الجعفري بعد محاولته منعه من التسلسل إلى الجانب المصري، وهو ما مثل تعديًا للخطوط الحمراء من هؤلاء في التعامل مع الأجهزة الأمنية في غزة.

عملية التفجير وإن كانت سابقة في نوعيتها، إلا أنه سبقها العديد من محطات كان عنوانها المواجهة المباشرة مع الأجهزة الأمنية في غزة، كان أولها في عام 2008، حين أقدمت إحدى المجموعات المتطرفة على اختطاف الصحفي الإيطالي فيكتوريو أريغوني، وقتله لاحقًا، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من محاصرة قتلته في منزل وسط قطاع غزة، والاشتباك معهم ما أدى إلى وقوع قتيلين منهم أحدهما أردني الجنسية، فيما تم اعتقال آخرين.

وفي عام 2009، كانت المحطة الثانية، حين تحصنت مجموعة أخرى مدججة بالأسلحة، في مسجد ابن تيمية في محافظة رفح جنوب القطاع، بعد إعلانهم قيام "دولة الخلافة"، رافضين أي وساطات أو تدخلات "فصائلية -دينية"، لمعالجة الحدث ومحاولة احتوائه، وعلى عكس ذلك، قاموا بقتل القائد في القسام أبو جبريل شمالي خلال محاولته للتدخل لفكفكة الأزمة، ما دفع الأجهزة الأمنية لحسم الحدث عبر فوهات البنادق.

أما المحطة الثالثة فكانت في عام 2015، حيث كشفت عن تطور خطير في عقلية هذه الجماعات في التعامل مع الأجهزة الأمنية في غزة، إذ تمكنت الأخيرة من التوصل إلى مخططات تكشف عن نيتها تصفية قيادات وشخصيات وطنية وأمنية بعد اقتحامها لمنزل أحد المطلوبين في حي الشيخ رضوان عقب تصفيته بعد رفضه تسليم نفسه ودخوله في اشتباك مسلحة مع القوة الأمنية.

ومع أن هذه المحطات هي الأبرز على صعيد المواجهة نتيجة لتصديره للرأي العام والإعلام، فإن ما تخفيه الأجهزة الأمنية وفقًا لمسئول أمني رفض الكشف عن اسمه لـ"سبق 24"، أكبر بكثير، كونها _أي الجماعات_ تستغل أي فرصة في محاولة استعادة زمام المبادرة للانقضاض على الواقع الأمني الذي فرضته الأجهزة الأمنية في غزة.

ولتحقيق ذلك تعمل على إما توجيه ضربات مباشرة للأجهزة الأمنية بالقيام بعمليات تفجير أو حرق مركبات أو (...)، أو عن طريق الإضرار بالأجهزة الأمنية والمقاومة الفلسطينية عبر قيامها بإطلاق صواريخ على الاحتلال، وهو ما يستغله الأخير لاستهداف مقدرات الأجهزة الأمنية والمقاومة في غزة لإضعافها، وفقًا للمصدر الأمني، الذي يشير إلى أن معظم عمليات القصف التي تقوم بها عناصر الجماعات هي بتوجيه مباشر من الاحتلال الإسرائيلي.

وليس عمليات التوجيه المباشرة وغير المباشرة فقط ما يقف خلفه الاحتلال، بل التجنيد أيضًا في صفوف تلك الجماعات المتطرفة، عبر انتحال ضباط المخابرات لشخصيات بارزة في جماعات مشابهة خارج الأراضي الفلسطينية، يقوموا من خلالها بتجنيد شبان فلسطينيين في جهاز الموساد الإسرائيلي.

وهو الأمر الذي تم الكشف عنه، من اعترافات قاتل القيادي في "حماس" مازن فقهاء (أ. ل)، الذي وطبقًا لاعترافاته، فإن المسئول عن تجنيده كان ضابط مخابرات منتحل شخصية متشدد كويتي، قبل أن يقوم بتوريطه بشكل مباشر في مستنقع العمالة، والقاتل العميل ليس هو الأول الذي يقف وراء تجنيده في تلك الجماعات أجهزة المخابرات الإسرائيلية، بل إن الأجهزة الأمنية كانت قد ألقت القبض على العديد منهم، لكنها تحتفظ بالأسماء لنفسها لما تسميه بدواعي أمنية.

الاضرار بمصر

وكما أن عناصر الجماعات المتطرفة تحاول الاضرار بالبيت الفلسطيني الداخلي كلما سنحت لها الفرصة، فإنها أيضًا تحاول الاضرار أيضًا بالعلاقات مع مصر، عبر المحاولات المتكررة سواء بالتسلل من غزة إلى مصر أو العكس، وهو ما عملت الأجهزة الأمنية على محاربته ما جعل من محاولاتهم تبوء بالفشل.

وعملت وزارة الداخلية على تكثيف تواجد قواتها على الحدود مع مصر، في الوقت الذي قامت فيه بإنشاء منطقة عازلة قرب المناطق الحدودية لتسهيل عملية المراقبة وضبط الحدود، وهو ما نجحت فيه.

المعالجة التربوية

تجدر الإشارة إلى أن الأجهزة الأمنية واجهت صعوباتٍ في محاولاتها تدجين واحتواء عناصر هذه الجماعات" عبر الحوار، حيث تركزت جهودها على تنظيم حوارات فكرية وشرعية مطولة مع كبار العلماء الشرعيين لقادة ومنتسبي هذا الفكر.

حيث عملت اللجنة على تفنيد أفكارهم وتوجهاتهم وأثبتت زيف وخطأ قناعاتهم ومبادئهم، وبينت حجم مخالفتها لأحكام ونصوص ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتناقضها التام مع الأهداف العامة والمقاصد الكلية للدين، وتضادها الكامل مع مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، إلا أن هذه الجهود بالقضاء على هذا الفكر بالكامل.

ويبقى رهان الغزيين على قدرة الأجهزة الأمنية في معالجة هذه الظاهرة غير الطبيعية وتحجيمها منعًا لتمددها في قطاع غزة، وهو ما أثبتت الأجهزة الأمنية على قدرتها في تحقيق ذلك.


A B L