كصاعقة نزلت على فؤاد "أم ملاك" عندما تلقت الخبر، فخرجت منكبةً على وجهها، تركض أحيانًا وتمشي على الجمرِ أحيان أخرى، عبثًا تحاول إقناع نفسها أن كابوسًا جرى وأن "ملاك" ستعود إلى أحضانها. تلك الطفلة التي تخشى النوم وحدها، ترى كيف هي الآن بين جنودٍ مسلحين؟ 

وتجتاحها دوامةً من الأسئلة، "هل يمكن أن تحمل سكينًا تقاوم محتلًا مدججًا بالسلاح؟".. "بالتأكيد لا، فابنة الـ "14 عام" الهادئة الرقيقة لم تفكر في الأمر مطلقًا من قبل"، بقيت تغوص في أسئلةٍ تفتك بها حتى قطعت مسافة 7 كيلو متر من مخيم الجلزون حيث تُقيم إلى قلب مدينة "رام الله" دون وعي أو تعب.

كان هم "انشراح الغليظ" الوحيد هو الوصول لابنتها بعد اتصالٍ وردها من محكمة الاحتلال العسكرية "عوفر"، تبلغها أن "ملاك" محتجزة هناك، ورغم أنه لم يكن أيّة ضرورة لذهابها، كما أشارت عليها المحامية، فالمحتل لن يسمح لها برؤيتها أو الحديث معها، لكنها أصرّت الذهاب من الجلزون إلى رام الله إلى عوفر، تُمني قلبها بلمحةٍ عابرة تُلقي فيها السلام والأمان على صغيرتها المكبلة هناك.

ادعاءات باطلة

بالعودة لمجريات الحادثة بدءًا، فإن ملاك توجهت في 20/مايو/2017، إلى حاجز قلنديا لكنها أخطأت المشي بأحد المسارات، واتخذت مسار المركبات طريقًا لها بدلًا من مسار المُشاة، فهي فتاة صغيرة غير مدركة لطبيعة الشوارع جيدًا، وهنا قام جنود الاحتلال باعتقالها بعد أن قيّدوا يديها للخلف بمرابط بلاستيكية، وقاموا برشها بالغاز واضعين سكينًا نحوها؛ للبدء بسيناريو تهمة تنفيذ عملية لا يعلم صاحبها عنها شيئًا..

ولمن لا يَعرف _عزيزي القارئ_ فإن الاحتلال لفق مئات التُهم للشبان الفلسطينين؛ مُدعيًا تنفيذهم عمليات طعن، وأما ملاك أخذها الجنود داخل القدس محاولين التحقيق معها، وانهالو عليها بالضرب والشتائم، كما فتحوا المجال لكاميرات "صحافتهم" البذيئة تصورها وهي تتعرض للسبّ من المستوطنين، واستمر الأمر على هذا النحو من الحادية عشر صباحًا حتى العاشرة ليلًا.

من سجن "هشارون" حيث استقر بها الحال، إلى محكمة عوفر بدأ الاحتلال يلعب مع ملاك وأهلها أبشع لعبة، فعلى الصغيرة أن تتحمل المشهد التالي مرتين أسبوعيًا ولمدة تتجاوز العشرين ساعة متتالية في كل مرة، دون أدنى مبالاة لصغر سنها وغضاضة جسدها.. 

يقتادها في "البوسطة" وهي صندوق حديدي صغير، يخفضون حرارته في البرد القارس، ويرفعونها في الحر الشديد، تقبع فيه مقيدة اليدين والقدمين، يمنع عنها الطعام والشراب ودورة المياه، وليس عليها في هذه الحالة إلا أن تقلع عن جسدها الهش صفة الانسانية وأن تصبر وتحتسب. 

في مرّة من أيام الحرّ القاتل كاد العطش أن يودي بها وهي تستجدي شربة ماء ولا صوت يرد صدى صوتها إلا رفيقتها تُهوّن عليها مصابهما وتدعوها للصبر، فذلك المجرم قد تناسى أنه يقل في حافلته بشرًا، نعم قالتها ملاك: "يعاملوننا كالخرفان وأسوء..".

أما تلك المحاكم "الصورية" التي ظلّ يعقدها لمدة ثلاثة شهور، بالقرار ذاته منذ المرة الأول وهو "تمديد إقامتها" دون أن يقضي بإعطاها حكمًا يُزيل الهمّ عن قلبها وقلبيّ والديها، فظلّت أمها ثلاثة شهور لا يُسمح لها بزيارتها إلا في جلسات المحاكم، تراها والإعياء يرهقها ويحظر عليها الحديث إليها. وكانت إدارة السجون تعطي الأم تصريح بالزيارة وتلغيه في اليوم المحدد؛ لأجل استفزازها وتمزيق روحها فقط.

ولأجل قلق راحة الأسيرات أيضًا، يقوم السجانين بتعدادهم نحو سبع أو ثمان مرات يوميًا، لا يدعوا جفنهم يغفو ولا جسدهم يسكن من الفجرِ إلى الفجر وهذا حالهم، وليت الأمر اقتصر على ذلك بل تجاوز إلى التفتيش العاري للفتيات؛ الأمر الذي أحرق عيونهم الباكية وزاد من سوء نفسيتهم أضعافًا مضاعفة.

حرية مقيّدة

وملاك التي أعتقلت قبل أن تكمل الفصل الدراسي الثاني في الفصل التاسع، قامت إدارة المدرسة بترفيعها؛ كونها كانت قدمت الاختبارات النهائية للمواد الأساسية، ولا زال مقعدها في الصف العاشر الذي لم تراه فارغًا بانتظارها، أما هي كانت الدراسة همها الأول في السجن تقضي فيه جُل أوقاتها كبقية القاصرات الأخريات الذين بلغ عددهم العشرة دونها، تصغرهم ملاك.

ويبدو أن الاحتلال كان قاصدًا أن يقتل فيها المرح والمُزاح تلك الصفتان اللتان طالما لازمنها، فهي فتاة ضحوكة، مثقفة رغم صغر سنها، أما اليوم بعد أن أفرج عنها في 29/12/2017، فكثيرًا ما يشرد ذهنها تشعر بانكسار روحها، تبوح لوالديها عن أحداثٍ السجنِ المهينة فتبكي أحيانًا وتغرغر مآقيها، وتبتسم رغمًا عنها أحيان أُخر.

تخشى عتمة الليل، تقرب أسرّة أخواتها نحوها، ولا تنام إلا بين أحضانِ أمها، تقبض على كفة يدها، تتأمل وجهها وتستشعر الأمان من دفئها؛ في محاولة لطرد شبح الأسر علّها تغفو أخيرًا..

ذلك المعتقل الذي اقتادوها إليه وهي بعمر الزهر، وجعلوها تحتفل بعامها الخامس عشر داخل أسواره، تراه ملاك تجربة تعلمت منها ومن طقوسها القاسية الكثير سيما مواجهة المحتل وجهًا لوجه.

تجاوز صوتها "القوي" اليوم، المسافات العالقة على سماعة الهاتف بين غزة حيث مراسلة "سبق24"، والجلزون أينما تُقيم في حنانِ عائلتها، لا يمكن اعتبارها "حريةً حقيقة" فهي معرضة للاستدعاء في أيّ لحظة؛ لأنه لم يلفظها من أنيابه بهدوء بل حكم عليها بثمانية شهور سجن، و5 سنوات "مع وقف التنفيذ"، وغرامة مالية مقدرة بـ 20 ألف شيكل، في حالِ قامت بأيّة مخالفة. 

إذا كانت الفتاة _عزيزي القارئ_ قد تعرضت لكل ذلك الظلم والاجحاف هي وعائلتها، دون أن تقوم بتهمة فما بالك إذا قامت، ويبدو مصطلح "مخالفة" ليس ذو معنى متعارف عليه لدى سلطات الاحتلال فلا شروط واضحة أو محددة تلقائه انما التهمة دائمًا أنك فلسطيني.

م ج