عندما تكون الرائحة هي مرشدك السياحيّ للمكان.. جنّة على الأرض لا يكسر اخضرارها المفتوح على المدى إلا إحمرار حبات التوت الأرضي "الفراولة" من بعيد كوردات جوري تختبئ بين الوريقات الخضراء وتطل بالمواربة على استحياء.
تضخ في أوردتك _عزيزي القارئ_ تلك المزرعة الغنّاء بجرعات الهواء النقيّ وهي تطِل على البحر الأزرق بوسعه وصخبه، قد لا يقودك سمعك وسط الهدوء الجمّ إلى أصواته لكن سمفونيات العصافير المغردة تُطيب روحك بما يُسكن النفس ويحرر فرحها. 

أما كوب من عصيرها الأحمر كأنه الشهدّ، بل هي بحدّ ذاتها ذهب فلسطين الأحمر وذلك بعدما أصبحت سفيرنا الذي يجلس بكل أنفة على الرفوف في الأسواق الأوروبية باسم "منتج فلسطيني"، في التقرير التالي يقودك "سبق24" إلى رحلة بين أغصان الفراولة فهيا بنا..

تجريف متواصل

بعد سبعة سنوات عانى خلالها أكرم أبو خوصة صاحبة مزرعة الفراولة السياحية في منطقة السيفا ببيت لاهيا، من التجريف "الإسرائيلي" لأرضه أربعة مرات متتالية من عام 2008 – 2014، نهض من خسائره وديونه المتراكمة وبدأ بزراعة الفراولة المُعلّقة: "زارنا وفد من مزارعي الضفة الغربية عن طريق اتحاد لجان العمل الزراعي وشرحوا طريقة زراعتها بالتعليق، ودعمنا الهولنديين من خلال الفاو بمشروع لزراعة دونم واحد (قطعة مشاهدة) ومن هنا كانت التجربة الأولى".

ولابد من فروقات وتباينات كبيرة بين الزراعة التقليدية للتوت الأرضي والزراعة المعلّقة يوضحها أبو خوصة لـ "سبق24": "المعلقة هي زراعة مكثفة فالدونم الواحد منها ينتج ثلاث أضعاف التقليدي الذي يخرج 7500 شتلة بينما المعلقة 21 ألف شتلة في الدونم، كما توفر مياه بنسبة 80% عن التقليدية وهي أسهل في الزراعة والتلقيط بالنسبة للعمال وأنظف وأرتب وأكثر جودة وذات منظر جذاب".

بدأ العمل أبو خوصة في المُعلقة عام 2015 ونسبت التجربة الأولى في قطاع غزة إليه، ثم أصبح الناس يتوافدون لزيارة المكان الذي بلغت مساحته خمسة دونمات؛ رغبة في التعرف على شكل الفراولة المعلّق، فكان أجمل ما فيها المكان بجانب إخضراره إمكانية جلوسك لتناول كوب عصير منها والتقاط بعض الصور التذكارية، يقول: "أطلقت عليها اسم مزرعة الفراولة السياحية وخصصنا مكان للسياح لتناول العصير والتعرّف على الشكل الجديد للفراولة".

تصدير الفراولة
قبل زراعتها تحتاج المُعلّقة لعملية تشتيل تُجهز فيها الشتلات الزراعية حيث تحتاج الشتلة فيها لـ "التشريش" قبيل نقلها في المصاطب أو الكلاكل، بحسبِ أبوخوصة، وبعد أن أثبت مناخ منطقة بيت لاهيا شمال قطاع غزة نجاعته في زراعة الفراولة حيث يُعد من أفضل المناخات حول العالم لزراعتها، أصبحت تتميز حبات الفراولة الفلسطينية بطول مدة إنتاجها عمن سواها إذ تزيد إنتاجيتها لشهرين ونصف فتبدأ من 15/11 – 15/6 من كل عام.

وعن تصدير الفراولة، قال: "اليوم نحن نصدر الفراولة لدول الخليج العربي، والضفة الغربية المحتلة، ومؤخرًا إلى روسيا، باسم منتج فلسطيني فمناخنا يساعدنا على منافسة الأسواق الأوروبية بجودة عالية، والتصدير غير محصور بكميات محددة لأنه كلما كانت المعابر مفتوحة وهناك سهولة في تصديرها نقوم بذلك". 

وكان قد أعلن رئيس جمعية غزة التعاونية المتخصصة في زراعة التوت الأرضي وتصديره أحمد الشافعي، أن روسيا تستعد لاستقبال الشحنة الأولى من فاكهة الفراولة من قطاع غزة للمرة الأولى، وقدّر الكمية بنحو 15 طن على أن تستكمل بقيّة الكميات حتى شهر أبريل/2018م بقيمة 76500 دولار".

رحلة شاقة

التوت الأرضي شتلة شتوية لا تحتمل الانتظار ثلاثة أيام للتصدير فمجرد دخول شهر مارس تنزل للأسواق المحلية وتباع بأقل الأسعار، أما في الأشهر الأولى يصدرها المزارعون؛ لأن القدرة الشرائية للمواطن في قطاع غزة لا تحتمل بيع الكيلو بأكثر من 5 شيكل بينما في الخارج يُباع بـ 15 أو 10 شيكل.

تمر رحلة زراعة الفراولة بالكثير من الصعوبات منها إغلاق المعابر واضطرار المزارعين لبيعها في الأسواق المحلية؛ ما يكبدهم مخاسر فادحة حيث يبيعونها بأسعار زهيد قد تصل إلى 4 أو 3 شيكل، وبذلك قد لا يغطون تكاليف إنتاجها إذ من المعروف أن شتلة الفراولة مكلفة وتحتاج لعناية ومتابعة واهتمام شديد، إضافة لعدم توفر مصانع أسمدة في قطاع غزة واستيرادها من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أو من الأردن أو إسبانيا وغيرها.

وفي ذلك الإطار يقول أبو خوصة: "نحن في الأراضي الحدودية نعيش حالة عدم استقرار وهذا يسبب مخاوف كبيرة للمزارع كأننا نجلس على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة، وقد يأتي أي مزارع في صباح الغد يجد أرضه جرفتها قوات الاحتلال، والأمر ليس هيّن فالأراضي الزراعية غالبًا يصلها التعويض بعد ثلاث سنوات، وإن أقصى طموح لأي مزارع هنا أن يسدّ ديونه فنحن نُشغل أولادنا بعد دوامهم المدرسي معنا لنوفر أجرّة العمال".

وتساهم الفراولة بما نسبته 11 بالمئة من القوى العاملة في قطاع غزة، إذ توفر ما لا يقل عن 44 ألف فرصة عمل موسمية في كل عام، ويُقدر إجمالي مساحة الأراضي المخصصة لزراعة التوت الأرضي في غزة لهذا العام، وفق مدير قسم التسويق والمعابر في وزارة الزراعة بغزة تحسين السقا، بـ 908 دونمات مقارنة بـ 600 دونم في عام 2016، متوقعًا أن يصل إنتاج هذا العام من الفراولة إلى 2500 طن.



ن س