لم يكن الأمر سهلًا أن يصبح المرء في غمضةِ عينٍ بلا قدمين، لكن بعد بضع سنوات على الحادثة لابد أن تفاصيل كثيرة مُخبأة في جوف "خليل جديلي" (24 عام)، منها مثلًا أنه أصبح "غواص غزة"، وتخرج من كلية الإدارة والأعمال، تزوج أيضًا وأصبح أبًا لمهند ذات العشرة شهور، أحداث كثيرة لكلٍ منها حكاية مختلفة فكيف حصل كل ذلك، إليكم في السطور القادمة من لقاء "سبق24" معه.

مصير عائلة

بعد أن حطت حرب 2008/2009 أوزارها على كتفيّ غزة المكلومة، تعرض مخيم البريج _وسط غزة_ إلى ويلات من العذاب، منها ما رأته عائلة الجديلي بعينيها وهشاشة قلبها، "تعرض بيت قريب منّا للقصف الإسرائيلي، ونحن كون بيتنا من (الإسبست) تخوفنا جدًا  أن ينهال علينا، فجمعنا بعضنا وذهبنا لنحتمي في بيت جدتي (الباطون)".

ثمة لحظات يتسائل فيها المرء، يا لحكمة القدر كيف جمعنا في لحظةٍ واحد لنواجه مصيرًا مقدرًا لنا معًا، وهذا ما حدث مع الجديلي بالضبط، فمجرد أن ولجوا إلى بيت "الجِدة" إذ بوابل من قذائف الدبابات العشوائية يُردي ثلاثة من الإخوة إلى مصابين، أصغرهم لم تطال إصابته كثيرًا فلقي ربه، والآخر فقد عينه، أما خليل فذهبت قدميه أدراج الرياح.

"شعرت بتيار كهربائي سرى في قدميّ بشكل مفاجئ ومخيف للغاية، وقبل أن أفقد الوعي أدركت أن عظام قدمي تحولت إلى فتات"، بالفعل لابد وأن نارًا مستعرة من إحدى القذائف أصابت قدمي خليل بشكلٍ مباشر فإثر نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى بترت قدميه، فماذا فعلت عندما استيقظت إذن؟ 

"في منتصف الليل بدأت أستعيد وعيّ، شعرت بثقل كبير وألم شديد في ساقيّ، كشفت الغطاء فوجدت نفسي بلا قدمين، بضع أثار للركب وفقط، فكان أول ما قلته أن الحمد لله وطلبت من الممرض أن يمدني بالماء للوضوء، صليت بعدها ركعتين لله تعالى أني قد رضيت بقضائك وأمرك".

تحول خليل في صبيحة اليوم التالي للعلاج في مصر، "مكثت ووالدي هناك نحو ثلاثة شهور للعلاج، كان مشهد قدميّ بعد عملية غزة مريبًا ولابد من متابعة تجميلية للشكل الجديد الذي أصبحت عليه، وعدتُ لغزة بكرسي متحرك ينتظرني في كل خطوة أنوى القيام بها خارج السرير".

كون بيتهم مصنوع من الاسبست، جعل ذلك الأمر أكثر تعقيدًا على وضع خليل الحالي، فلم يكن البيت مُهييء ليُمارس حياته بشكلٍ طبيعي كمُقعد يرغب بالتنقل على كُرسيه؛ الأمر الذي صعّب من إدارته لشؤون حياته بمختلف متطلباتها اليومية، واستوجب أن يكون لديه مرافق طوال الوقت.

علامات فارقة

"لا مكان لليأس في حياتي، وكلما تسلل إلى داخلي حاربته أكثر بكل السبل الممكنة، حتى أتاح الله لي فرصة تركيب أطراف صناعية في سلوفينيا، فغادرت عبر مطار اللد الدولي (بن غوريون) بعد ما يُقارب العام، وبعد أن مكثت فيها نحو شهر عدت إلى غزة أمشي على قدميّ".

كانت هذه هي علامة فارقة في حياة خليل، بعد ما ألمَّ به، لكنها لم تكن الوحيدة فقد مَنّ الله عليه بأخرى، وبعد أن أصبح سيد نفسه، يُولي ذاته كافة مهامها، كان هناك تفاصيل أخرى يرويها بابتسامةٍ غامرة، "كالحلم بعد شهر واحد أصبحت أمشي على قدميّ من جديد، أذهب للصلاة بالمسجد، ألتقي أصدقائي، أشارك الأحبة الأفراح والأتراح كل شيء أصبح ممكنًا".

في العام الذي تلاه كانت العلامة الأخرى، حيث أنه كشاب لم يتجاوز الـ "18 عام" حينها، كان بحاجة لتركيب أطراف صناعية كل عام أو أقل لنمو جسده السريع، "أتاحت لي جمعية إغاثة أطفال فلسطين فرصة تركيب أطراف في الإمارات، فسافرت هناك وأثناء رحلة العلاج من تركيب الطرفين وما إلى هنالك، حدث ما لم أتوقعه".

اُقترح عليه أن يًجرب رياضة الغوص في بركة سباحة لمرة واحدة، حيث تهتم الجمعية بالجانب النفسي للمرضى، فهل كان الأمر سهلًا؟ "بالمطلق، أنا لا أحب الماء من الأساس، ولم أجرب السباحة قبل ذلك رغم أنني ابن مدينة غزة الساحلية، فكان الأمر مهيبًا بالنسبة لي ولكن سرعان ما زالت هيبته بدخول الماء".

يكمل القصة بشغفٍ تملؤه روح المغامرة، "استمر الشرح عن آلية الغوص نحو 5 ساعات متواصلة؛ ما جعلني أتشجع للفكرة، وكل ما يدور في رأسي مشهد فقاعات النفس تحت الماء، وحقيقة لا أستطيع وصف المشهد عندما نزلت البركة، تغلبت على خوفي من الماء وعلى إصابتي ووضعي الصحي، نسيت كل شيء خلفي وغصت في أعماق الماء".

مجرد أن خرج خليل من البركة، أصرّ على مدربه أن يُعلمه الغواصة، فمن مرة واحدة تعلّق قلبه بتلك الرياضة الفاتنة، "شيء ينسيك هموم الدنيا، حرية مطلقة وحياة مختلفة"، كان الأجمل بعد إصرار خليل وسرعة بديهته في تعلم الغواصة باستغلاله كل ساعة من وقته الضيق الذي يُشير إلى قُرب انتهاء إقامته، هو الرحلة إلى الخليج العربي في نهاية الدورة.

أخبرنا ما حكاية تلك الرحلة؟ "كانت إلى ميناء قابوس المُطل على بحر الخليج في سلطنة عمان، ولكن ماذا أقول؟ كلما تذكرت المشهد تملكني الشعور بالحنين إلى تلك اللحظات، يا الله كيف ترى المرجان، السمك، اللؤلؤ، الكهوف، الأعشاب البحرية، شيء رهيب لا يمكن وصفه".

سبحان الله

يتابع واللمعة لا تفارق عينيه: "كانت أول تجربة لي في الغوص داخل البحر، وكنا مجموعة غواصين، بصحبتنا مدرب عالمي محترف، ومعنا مجموعة أجانب حتى أن أحدهم خرج من البحر يقول سبحان الله لهول المشهد الخيالي الذي رأيناه، نعم سبحان الله فلم أشعر بأيّة صعوبة بالغواصة بلا قدمين وثمّة شعور بالحرية الكاملة تملكني تحت الماء".

كانت فكرة مجنونة ضمن خطة علاجية لمتابعة مريض وأصبحت هوس لدى خليل، فعندما عاد إلى غزة، بدأت تتضح الصورة أمام عينه، بحرها عقيم لا سباحة فيه بعمق ولا غواصة، "تعملت السباحة ودخلت لعمق كيلو ونصف، كانت مغامرة صعبة أن تسبح بلا قدمين وبلا أيّة امكانيات لكني فعلتها، فكانت روحي ما زالت مُعلّقة بتلك الرحلة، لكن عندما فكرت في الغواصة غدا الأمر مستحيلًا".

لا يوجد في قطاع غزة خبرات برياضة الغوص، ولا تتوفر نوادي أو جمعيات متخصصة، كما أن إدخال بذل الغوص يتطلب إجراءات مُعقدة للغاية؛ لظروفها الأمنية في ظل الاحتلال، فما كان منه إلا أن ركَن شغفه بالموهبة جانبًا، ودرس إدارة الأعمال في الجامعة الإسلامية، "بحثت طويلًا عن تخصص يُلائم وضعي الصحي، لم أفكر فيما أُحب بل فيما يناسبني فقط، ففي غزة ما تحبه يصعب تحقيقه".

بعد تخرجه الجامعي، تزوج من ابنة عمه التي كانت على قناعة تامة بالارتباط بمصاب "مثله"، تقول: "حياة طبيعية تمامًا، لم أشعر بإصابته يومًا، وهو يشاركني كافة الأعباء المنزلية بكل حب"، وقد أنجبت له مهند الصغير الذي أسماه تيمنًا باسم أخيه الشهيد القاضي إثر تلك الحادثة.

اليوم يقف خليل أمام بحر غزة، لا يراه كما يراه العامة، بل يمكنه رؤية الحياة البحرية بكهوفها وأسماكها ومرجانها داخله، يقف متحسرًا على هواية يكاد يخسرها وهو يمتلكها بكل ما في قلبه من أمل وقدرة رغم إصابته وحاجته المُلحة لأطراف جديدة، "أنظر للبحر وأردد يا الله كيف تحجب عني بضع مستلزمات بسيطة تتوفر في كل دول العالم، رؤية أسرارك ودررك".



م ش