أحمد ذلك الشاب الذي عرفته جنين كشامة في جبينها، حادٌ كسيف ورقيقٌ كزهرة، قلبه وسادةً للأحباب، حلّوا أو رحلوا، عندما ودع أرضًا طالما فلَح فيها وزَرع، ترك خلفه اسم لمع كالوسام في عنان بلاده، قامة سامقة جزلة لا تخاف في الله لومة لائم، ترك أنفة هامة الفلسطيني ودفء يدي المزارع، أحمد الذي لم تضمه أرض ولم يعرفه لحد بعد، تُرى كيف قضى ليلته الأخيرة؟

أبواب مُشرعة

كانا يمشيان على ضوء القمر كتفًا بكتف، قبل أن يفترقا للمرة الأخيرة دون عِلم أيّ منهما بذلك، هما ليسا أخوان فحسب، بل صديقان متحابان يعرف كلاهما الآخر من نظرةِ عينيه، ففي تساؤل أقل من "عادي" سأل محمد أخيه.

- أين ستذهب؟
- سأنزل إلى جنين، أريد أن أسهر لدى صديق

هكذا دون عناق أخير، توجه محمد فيما تشير الساعة إلى العاشرة والنصف ليلًا للبيت، وألقى نظرة على أحمد حيث غادر هو الآخر، "كنت أقف معه وعندما ذهب في طريقه كنا في نقطة قبل بيت أحمد نصر جرار، وتوجهت أنا للبيت وكان الوضع أكثر من طبيعي، لكن قبل أن أصل بنحو 20 متر رأيت شخص مُسلح وعندما تمعنت في ملامح وجهه وملابسه عرفت أنه جندي إسرائيلي".

انسل أحمد من عائلة بسيطة تعيش بجانب مخيم جنين، فوالده "اسماعيل جرار" هو مزارع في شبابه، أما اليوم فغزا الشيب رأسه والتجاعيد عينيه ولم يعد ليديه قدره على حمل الفأس والفلاحة من جديد، مثله عمل أحمد في "أرضهم" قبل أن يدرس تخصص علوم مصرفية وبنكية في جامعة القدس المفتوحة.

بالعودة لمجريات الحادثة، يخبرنا محمد في حديثٍ خاص لـ "سبق24"، "في منطقتنا غالبًا ما يحدث اقتحام من الجيش للمدينة والمخيم كذلك، فلم أستغرب وجود الجندي ولا طائرات الاستطلاع"، تلك التي كانت تحتل السماء منذ عدّة أيام، وبعدما ولج محمد إلى البيت بدقائق معدودة بدأ الاشتباك الذي أدمى ليلة غُمرت بأصوات الصواريخ والانفجارات والقنابل.

عندما تتخبط الروايات في خاصرة الاحتلال "الإسرائيلي"، عبثًا يحاول ضُباطه تفكيك لغز أبطال فلسطين، يتساءلون هل كان أحمد يحمل السلاح؟ هل أطلق النار على جنودهم واشتبك معهم حقًا؟ هل وقع في غمرة نيران الجنود بعضهم على بعض! ثمّة تساؤلات تترك الأبواب مُشرعة فالسرُّ بقيّ عالقًا في جوف صاحبه الراحل، في محاولة لعدم تصديق الاحتمال الأخير فإن كان أطلق الرصاص فأين سلاحه؟! وإن لم يُطلقه فمن الذي فعل؟

لماذا قتلت أخي؟

دخل الجنود بيت أحمد نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، "دخلوا علينا وأخرجونا إلى بيت أحد أقاربنا، وفي الطريق عندما وصلنا قُرب بيت (أحمد نصر) رأيت أخي أحمد مُمددًا على الأرض في الشارع، لمحته وعرفته من ملابسه، فأخفيت الأمر عن الأهل حتى اليوم التالي".

جاء ضباط الاحتلال ليستجوبوا الأهل ليلًا، ثم عاودوا الكرّة صباحًا، وقبل أن يبدأ أكبرهم التحقيق مع محمد، فاجأه متسائلًا: 

- ليش قتلت أخوي؟
- أخوك قتل أفضل جنديين عندي، والجنود قتلوه، هذا كل ما أعرفه. 

ولمّا سأله محمد عما حدث، أجاب: "لا أعرف، هل أخيك ارتبك عندما رأى الجنود قادمين فأطلق النار عليهم، أم ما الذي فعله لا أعرف"، ردّ عليه: "أخي لم يحمل السلاح ولديكم سيارات تصوير في المكان وبإمكانكم الرجوع إليها، أخي لم يقتل وهذه روايتكم أنتم وهذا تبرير فعلتكم"، واختتم محمد حديثه بـ "أنت رجل قتل أخي، ولا يوجد نقاش بيني وبينك" رافضًا التحقيق.

في محيط المكان الذي يجمع عدّة بيوت لعائلة جرار، منها بيت الشيخ نصر وابنه أحمد الذي يتهمه الاحتلال بعملية نابلس التي أسفرت عن مقتل الحاخام "رزئيل بن ايلانا" في 9/1/2018، وبيت أحمد اسماعيل الذي استشهد في ليلة 18/1/2018، والعديد من الأقارب، كما يوجد أراضٍ زراعية وأشجار تعود إليهم، وعندما دخل الجنود فقد أحاطوا كل المكان من جميع جهاته.

يُقدر محمد أن الجنود قتلو بعضهم بعضًا في الاشتباك تحت الأصوات التي كانت تهز المحيط، "أنا أعرف أخي جيدًا، وقد استغربت جدًا من ادّعاء الضباط بأنه حمل سلاحًا، فأحمد لم ينتمِ لأي تنظيم سياسي ولم ألاحظ عليه بتاتًا العمل مع المقاومة بأي شكل من الأشكال من قبل، وأستبعد أن يكون ذهب لبيت أحمد نصر فقد رأيته يتوجه لطريق مختلف، وعندما رأيته مُمددًا على الأرض كان ذلك في الشارع وليس في بيت الشيخ نصر".

تربط أسرة أحمد اسماعيل بأسرة أحمد نصر، علاقة دم وجيرة، فأبويهما أبناء عم، وهم يسكنوا في محيط واحد تقريبًا، وأما السؤال إذا ما كانا هاذان الشابان معًا، أو إن كان أحمد نصر في بيته لحظة الاشتباك، فحتى ضباط الاحتلال لم يجدوا له جوابًا، ووفق رواية أم أحمد نصر فقد غادر ابنها المنزل قبل الاشتباك بنحو ساعة أو نصف الساعة.

نهاية مفتوحة

وقبل أن يُلملم جيش الاحتلال خيباته، ويعلن فشله في العملية؛ خلّف شهيدًا وعددا من البيوت التي أرداها ترابًا، منها بيت الشيخ نصر جرار وابنه أحمد وأخيه، وبيت الشهيد أحمد اسماعيل جرار وجده، "خسارتنا في أحمد لا تُقدر بثمن، هدموا البيت وجعلوه فتاتا، نعم لم نأخذ منه أي شيء وخرجنا بملابسنا فقط، وحتى اليوم لم يعوضنا أحد، لم نعرف إلا أن السلطة ستدفع لنا إيجار بيت وفقط".

حاول محمد أن يُمهد الخبر لأسرته، فاليوم العائلة التي كانت مُزهرة بأخوين وأربعة بنات وأبوين شاخوا في تربيتهم، تفتقد ركنا من أركانها الصلبة برحيل أحمد، فيما بقي محمد وهو الأخ الأكبر في مهب نقل خبر أثقل من جبل، يفي باستشهاد أخيه الوحيد.

وطالما تلقى أحمد عبئا مسؤولية البيت رجلًا وإن كان عوده لم يخشوشن بعد، عندما سُجن أخيه لـ "6 سنوات" تحمل فيها عنه المهام كاملة، وتركه اليوم للأحمال، "حاولت التهوين على والديّ، أخبرتهم أن الجنود يقولون أن هناك إصابات منّا وقد يكون أحمد من بينهم، وبالتدريج مهدت إليهم ثقل الخبر حتى قلت لهم الحقيقة كاملة".

حتى اللحظة لا تستوعب العائلة المؤمنة بربها، رحيل ابنها الوسيم النبيل، خاصة وأنها لم تودعه بعد ولم تستلم جثمانه حتى اللحظة، فقد يجعل الوداع قلبي أبويه يصدقون أمر رحيله، أحمد ذلك المحبوب في أوساط عائلته حتى عُرِف بـ "المُصلح"، فطالما اجتمعت أطراف العائلة على رأيه السديد رغم صغر سنه الذي لم يتجاوز الثلاثين بعد، لِما عُرف عنه بقوة الشخصية وصراحتها فهو "لا ينافق ولا يجامل"، بدا في رحيله الأخير بعد تلك الفوهة من التساؤلات كمن يعشق النهايات المفتوحة.

ن س