كان ليل السابع والثامن عشر من شهر يناير/ كانون الثاني لعام 2018م ذو طقس غائم، الهواء فيه شديد ورُسل الغيم تسبح في السماء، وبينما يُجهز أحمد نفسه للخروج من البيت، كانت أمه تروح وتغدو إليه تأخذ من صحن خديه قُبلات كثيرة، تحتضنه بحرارة المُودع، ففي قلبها غصّة لا تعرف سببها.

- ماما مالك؟ (يتساءل أحمد من احتضان أمه الغريب).

- ما في شيء بس لا تتأخر حبيبي!، وعدها ألا يفعل ذلك، وأخبرها بضرورة أن تُوقظه باكراً ليذهب إلى محله التجاري.

صاحب الوجه المستدير والعينان الزرقاوان، يوسفي أمه في الجمال، ظلّ بالها مشغولاً عليه، "ربما خِفتُ عليه من البرد الشديد" (هكذا عللت خوفها المباغت على ولَدها في تلك الليلة).

وعند اقتراب عقارب الساعة من الحادية عشر إلا ربع ليلاً كانت أصوات طلقات النار في الخارج تعلو شيئاً فشيئا، اعتقدت أم صهيب ومن في البيت أنه حفل استقبال أسير، فمن عادة أهل المخيم في جنين أن يستقبلوا المحررين بحفاوة أحياناً تصِل لإطلاق النار.

لحظات ثم مكبرات الصوت تنادي: البيت محاصر بحلقت عينيها -بيت مين؟، دقائق أخرى حتى أعلنوا أنه سيتم هدم المنزل، عادت لتسأل نفسها باندهاش:

-"ليش يهدموا بيتي؟، عادة بيهدموا لمّا يكون عندي ابن مطارد أو عامل عملية استشهادية"، قطعوا شكّها باليقين "أحمد سلّم نفسك البيت محاصر" هكذا ظلّ الجيش الإسرائيلي يُنادي حتى الساعة السابعة والنصف صباحاً.

هُدم البيت وبيوتاً أخرى للعائلة بجانبه، والجميع في حالة انبهار، ما الحدث الكبير الذي يستعدي أن تجلب إسرائيل قوات خاصة له وبعتادٍ عسكري كما لو أنها تواجه جيشاً؟، ومن هو أحمد المطلوب الذي يجب أن يُسلم نفسه حالاً؟ بقيت هذه الأسئلة تحوم كعقارب الساعة في عقول أبناء العائلة طوال الليل، حتى طلع الصباح وأخرجوهم من الغرفة التي تم حجزهم فيها.

الأنباء كانت تتحدث عن شهيد في المكان، وأُذيع أنه أحمد جرار، لكن أي الأحمدين؟ الضابط الإسرائيلي أخبر أم صهيب أنه ليس ابنها، لم تُصدقه وبكت كثيراً في تلك اللحظة وعرفت أن خوفها عليه لم يكن من البرد.

لم يؤكد أحد لها الخبر ولم ينفِه فقالت لهم:" أريحوني إذا أحمد ابني لا تخبوا عليّ، والله أنا صابرة، بس لا تتركوا قلبي على جمر يتقلب!". فأكدوا أن الشهيد أحمد إسماعيل وليس أحمد نصر.

ومنذ تلك اللحظة استودعت أم صهيب فلذة كبدها لله، رافقته بالدعوات وأن يُعيده إلى حُضن فؤادها سالماً غانماً، يشعّ وجهه بالسعادة _كما عادته_، فكيف عاد إليها؟

"المطلوب الأول" لدولة جيشها قِيل فيه "لا يُقهر" فقُهر وهُزم أمام بطولة هذا الشاب العشريني أحمد نصر جرار، فبعد ثلاثة أسابيع من المطاردة المستمرة التي استخدمت فيها إسرائيل كل أجهزتها الأمنية، والحواجز العسكرية، وحملات الاعتقال وعمليات التمشيط، للبحث عن ندّها المتهم بقتل مستوطن في عملية فدائية بنابلس الشهر الماضي، لكنّها فشلت، وظلّت تُنادي عليه كل ليلة أحمد سلّم نفسك! ولم يُسلم وبقي يؤرق مناماتهم إلى أن حُوصر في اليامون قضاء جنين واشتبك مع قواتٍ إسرائيلية خاصة ليرتقي شهيداً في السادس من فبراير/ شباط 2018.

أتوا بملابسه إلى أمّه لتتعرف عليه، شمّت رائحته، عَلق مسِكه فيها قالت:" نعم هو ابني وهذا مُصحف أهداه إياه والده قبل استشهاده بأسبوع، فمن حضني إلى حضن والده السلام عليهما حيث رفع الله قدرهما بالشهادة" ثم راحت في غمرة بكاءها المرّ عليه.

نشأته

وُلد الشهيد أحمد نصر  في واد برقين غرب جنين شمال الضفّة الغربيّة عام 1994، وقد تلقّى تعليمًا أساسيًا وثانويًا، وحصل على شهادة إدارة المستشفيات من الجامعة الأمريكية، وبسبب اعتقاله من قوات الاحتلال الإسرائيلي حُرم أحمد من المشاركة في حفلة تخرجه، وحُرمت أمه من هذه الفرحة تقول: " كنت أنتظرها يوم بيوم".

وخلال حوراها مع "سبق24" تحدثنا والدته عنه:" أحمد إنسان محبوب بشكلٍ غير عادي، الناس هنا في جنين لم تصدق بعد خبر استشهاده، يُحب الحياة منذ طفولته، مَرح، صاحب خُلق رفيع، حنون، أنيق، ويهتم بنفسه".

ولم يعرف عنه أي نشاط أو اهتمام خارج عمله التجاري قبل العملية التي اتهمته إسرائيل بها، وأعلنت عن مسئوليتها كتائب القسام فيما بعد، ولا حتى بعدها، إذ عاد لمزاولة أعماله التجارية وحياته كما المعتاد وهذا ما فاجئ عائلته عند اقتحام الجيش لمنزلهم.

لم يُحدثكِ يوماً عن طبيعية عمله الجهادي ولو بالتلميح؟، ترّد:" أبداً والله حتى آخر ساعة قضاها معنا في البيت كان طبيعياً يمزح ويتحدث إلينا بالشكل المعتاد، ولم يسبق أن رأيته يحمل السلاح ولو للاستعراض".

وعن علاقته بالشهيد أحمد اسماعيل جرار تُردف:" أحمد نصر وأحمد اسماعيل روح في جسدين، كان ابني مولعاً به رغم فارق السن بينهما، لكن أغلب أوقاتهما معاً تفكيرهما واحد، كأن سر أحدهما عند الآخر، واختارهما الله لعليائه".

الشهيد ابن الشهيد

أراد الله أن يُحيي ذكر الشهيد القائد نصر جرار بابنه أحمد، فمنذ كشف النقاب عنه في المداهمة الأولى لبيتهم بتاريخ 17/1/2018م وسيرة والده حاضرة، كما لو أن شهيد اليوم، فرغم النشاط الجهادي للشهيد نصر جرار إلا أنه نذر ذكر اسمه في المهرجانات _كما تقول زوجته_، "فقدّر الله لأبي صهيب من ذريته من يُحيي اسمه ليس على الصعيد المحلي بل الاقليمي والعالمي".

وكان أحمد وإخوته كباقي الأطفال أكثر ما يحبون في هذه الحياة هو وجود والدهم معهم، لكنّ ظروف الاعتقال والمطاردة التي عاشها الشهيد نصر لم تُمكنهم من أخذ حظهم الكبير منه.

أحمد حين رحل والده عنه، لم يكن يتجاوز الـ 10 سنوات لكنه بكي عليه كما لو أنه عاش معه العمر الطويل، أطعمتهم أمهم القوة كما رغيف الخبز، حدثتهم عن والدهم الشهيد الذي بُترت أطرافه إلا يده اليُسرى، فمسك بها السلاح وقاوم حتى النفس الأخير.

وتستذكر أم صهيب معنا أموراً تشاركها الشهيدين الابن والأب:" الأيام تُعيد نفسها يوم آتوا لاعتقال والده بتاريخ 14/8/2002 كانت الأجواء حارّة لكن لحظة الاغتيال غيّمت السماء وأمطرت، وهذا ما حدث مع يوم أتوا اعتقال أحمد".

كذلك كانت حكمة الله بالغة في أن يُذاع اسم أحمد شهيداً ثم يُنفى الخبر، ليُمهد لها خبر استشهاده الحقيقي، وهذا ما حدث ايضاً مع والده، "حيث استشهد نصر جرار ثلاث مراتٍ على الأقل وفُتح قبره أربع" كما تقول زوجته، فمرّة يوم بُترت قدمه وذراعه اليُمني في مهمة جهادية، ومرّة يوم اجتياح المخيم، والثالثة يوم استشهاده في طوباس حين حُوصر ورفض الاستسلام فهدموا البيت عليه، وبعد يومين من دفنه، سلمّ الجيش الإسرائيلي قدمه وكانت تنفر بالدم كما لو أنه حيّ.

حكاية النصر جرار وابنه تؤكد أنه ليس المال وحده ما يُورث للمرء، فما أُورث عن النصر أثمن وأغلي!

آ م