كالخط الفاصل بين أن تغفين وتستيقظين.. في تلك اللحظة التي لا تُدركين فيها كم من السنين التي مرتْ أقل من "عادية"، يأتي مرض ليس "عادي" البتة يقلب حياتُك رأسًا على عقب، وتبدو تلك الغفوة التي تُعادل أحلام كثيرة عشتِها في الماضي، من احتضان طفل سيناديكِ يومًا "ماما" أو الشعور بحركته في رحمك وهو لم يزل جنينًا، ستبدو كلها تمامًا كالسم في العسل، فأن تصابي بمرض "سرطان الرحم" يعني أن تقف أمومتك أو حياتك الزوجية على المحك دون مناص.

انعدام الفرصة

في مستشفى الرنتيسي التخصصي غرب مدينة غزة، كانت الخُطى تأخذنا هذه المرة؛ ليضع "سبق24" يده على وترٍ يفيض لأجله الدمع مدرارا، وأول ما قابلنا في قسم أورام نساء الحكيمة نجاة شقورة، التي قضت خمسة عشر عامًا بين أوجاع المرضى وحكاياهم، من لحظة معرفة المريض وذويه بالخبر وردّة فعل الأهل والزوج إلى لحظة الشفاء النسبي أو الموت.

"يمكن الموت أرحم" قالتها دعاء والدموع تُغالبها لا ريب، هذه الفتاة التي دخلت المستشفى لأول مرة مُصابة بورمٍ خبيث في الرحم، تقول نجاة: "عندما دخلت دعاء وهي فتاة بالعشرينات ولم تتزوج بعد، كانت للتو تستيقظ من آثار المخدر بعد استئصال الرحم، لكنها لم تكن تعلم بطبيعة العملية فقد أخفى عليها أهلها الأمر حتى تستعيد صحتها قليلًا".

نزل الخبر كالصاعقة، كأنه جبل هبط على كتفيها، ظلّت لشهور طويلة لا تتقبل الفكرة حتى وهي تخضع للعلاج الكيميائي، وطالما أخبرت نجاة عن هول صدمتها: "في اللحظة الأولى التي عرفت فيها كدت أفقد صوابي بين الصبر أو تكذيب الخبر حدّ الجنون، لم أتمنَ شيئًا في حياتي أكثر من أن أصبح أُمًا يومًا".

وإن استئصال رحم فتاة عزباء يعني أن تُعدم فرصتها بالزواج والإنجاب تمامًا، تصمت نجاة قليلًا وتتابع: "المشكلة أيضًا أنه قد يكون حجم الكتلة (الورم) صغير لكن الأطباء لا يخاطرون باستئصال الجزء المُصاب فقط؛ خوفًا من انتقال المرض لأماكن أخرى، ما يدعهم يستئصلون الرحم كامًلا وهنا نقف أمام قصور الطب في بلادنا وصعوبة السفر للعلاج بالخارج وأمام قدر الله النافذ".

لا شك أن الكثير من الفتيات لا يضعن الزواج أولوية حياتهم ولا يرونه ضرورة قصوى، لكنَ تخيُل إنعدام فرصة الأمومة في حياة أي فتاة كانت ومهما بلغت من العمر، هذا وحده صادمًا وقاتلًا. تقول نجاة: "الأسوأ يأتي في حياة السيدة المتزوجة، لأنه لا شيء يحرق المرأة أكثر من أن يتزوج عليها زوجها بأخرى، وهذا بالطبع أغلب ما يفعله الرجال الذين تُصاب زوجاتهم بالمرض".

علاقة مستحيلة

تستحيل العلاقة الزوجية إلى درجة عالية بعدما يتم استئصال رحم المرأة، وأمام هذه الحقيقة تُطلّق الكثير من الزوجات، أو تُهجر غرف نومهن قسرًا، أو تحل إمرأة أخرى في محاولة لبث الدفء في ذلك الفراش القارس، تقول نجاة: "هل تتخيلي أن تعود امرأة لحياتها الطبيعة بعد أن يأتيها زوجها بضُرّة؟ لا يُمكن حتى لو هي بنفسها خطبتها له".

تردف: "الاستئصال يُسبب تهيجا ونزيفا في هذه المنطقة كونها تتكون من الأنسجة، وأقل حركة فيها تُسبب تهتك؛ لذلك فإن أي ممارسة للعلاقة الزوجية تُسبب نزيفا بشكل فوري ما يجعل العلاقة الزوجية مستحيلة، وقد تكون في بعض الحالات الكتلة خاملة وإذا اُستئصلت لا تُسبب نزيفا دائما لكن هذا لا يتعدى 1% تقريبًا".

"أنتِ طالق" كانت عوضًا عن "الحمد لله على السلامة" قالها زوج "شادية" وهي إمراة أخرى مرت في يوميات نجاة، كانت في أواخر الأربعينات عندما طلقها زوجها في ردهة المستشفى أمام الممرضين والمرضى.. "منذ أن عرِف بالخبر ثار كالمجنون وبدأ يتلفظ بالكلام البذيء حتى ظنناه خرج من الدين لشدّة شتمه وسبابه، ورغم الأولاد والعِشرة التي بينهم ذهب ولم يعد".

الحكايا على لسان نجاة لا تتسلسل نهاياتها، كلها ترى فيها النقطة مُعلنة بوضوح تام في نهاية السطر بشيء يلسع القلب، تقول: "مرض سرطان الرحم من أكثر الأمراض تأثيرا سلبيًا على الحياة الاجتماعية للمرأة، فإذا كانت فتاة، يعدم فرصتها بالزواج وإذا كانت متزوجة، يقطع العلاقة الزوجية بينها وبين زوجها".

قصة كالخيال

أمام ظلم بنيّ البشر والمرض حدث شيء كالخيال في أورقة هذه المستشفى، "جاءتنا سيدة في أواخر الأربعين من العُمر تصحبها أُخرى، وما لبثت أن غابت المُرافقة لأيام، فكان طاقم التمريض يتولى رعايتها والاهتمام فيها بشكلٍ كامل طيلة مبيتها، وكلما سألنا عن أهلها لم نجد مُجيبا، وبعد عدّة اتصالات _عندما تدهورت حالتها_ عرفنا أن زوجها طلقها فور معرفته إصابتها بالمرض".

لم يكتفِ الرجل "المخلص" بتطليقها في ظل إصابتها بمرض قد يُودي بحياتها، بل منع أبناءها من زيارتها أيضًا، و"هكذا" ظلّت متروكة في المستشفى تبيت وحدها، "هذا ما عرفناه في الزيارة الأخرى للسيدة التي رافقتها أول مرة وقالت أنها "إحدى قريباتها"، ثم غادرت وساءت حالة المرأة أكثر فحاولنا الوصول لأهلها؛ لكن ما تبين أنهم على خصام معها، حينها تساءلت هل يبقى في القلب محلا للخصام أمام السرطان؟".

وفي لحظة لا ينساها طاقم التمريض لآخر العُمر، تقول نجاة وقد تغيرت ملامحها: "حدث ما كنا نخشاه، خرجت روح المرأة إلى بارئها وتوفيت، في ذلك الوقت لم يكن أمامنا إلا أن نكفنها بأيدينا، نعم لقد ماتت والآن علينا إكرامها على الأقل بما نستطيع، بعدها صببنا كل غضبنا على سماعات الهاتف ليأتوا يدفنوها ويرحمونا من هذا الويل".

رحمة بالغة

مقابل كل ذلك العجز والخيال الذي يُخالط الواقع، يأتي في قصة "تغريد" خيال آخر مغمور برحمة الله، حيث أُصيبت بالمرض وكان خاملًا فيما هي حُبلى دون أن تعرِف، وبدأت تتلقى جرعات الكيميائي وينتفخ بطنها دون أن يُلقى أحد للأمر بالًا سواء هي أو الأطباء، تتحدث نجاة والضحكة على وجهها: "قلنا لا يُعقل أن يكون كل هذا ورم، عرضناها على التصوير وإذ به جنين يسبح ويلعب والمرأة في شهرها السابع".

تُتابع فيما الإثارة ترتسم على الوجوه حولها: "طبعا هي انهارت عندما عرِفت مخافة أن يكون أصاب الجنين مكروه ما أثناء تلقيها الجرعات، ولكن رحمة الله تولته ومن المعروف أن الجنين في بطنِ أمه لا يوجد عليه أي خطورة حال إصابتها بمرض كهذا حتى إذا تلقت جرعات كيماوي".

بالفعل ولدت تغريد طفلها سليما مُعافى، في شيء أصاب الجميع بالذهول، تُعلّق نجاة: "لم يكن أي طفل بل خرج يُزاحم بقوة، وقد كان أشقر الشعر أزرق العيون كالقمر"، وفي ذلك النهار الذي جاء به إلى الدنيا لم تكُف تغريد والحاضرات يرددن سبحان الله سبحان الله.

في هذا القسم حالات لا يعلم سرّها إلا الله، تتردد عليه السيدات بالعشرات شهريًا، فيما لا توجد احصائية ثابتة لدى وزارة الصحة تؤكد الرقم لكنه يزداد يومًا بعد يوم، حيث دخل في شهر يناير 2018 وحده 153 سيدة مصابات بالأورام، وفق موظف الأرشيف بالمستشفى جمال مهاني. ويغلق باب القسم ستاره على قصص كُلها لله فيها حِكم ورحمات بالغة.

ملاحظة: الأسماء في المادة مستعارة لحفظ خصوصية المرضى.

ن س