بخطى متسارعة مضطربة، وملامح حائرة، كانت امرأة تحوم في باحات المستشفى، يجزم من يراها بأنها تائهة بين الزحام، فأين الدليل؟ بصوت مرتجف تسأل أي عابر تمر من جانبه وين جهاد؟، مين جهاد؟ (سألتها إحدى الممرضات) فأجابت "ابني متصاوب"، ثم أكملت سيرها، تبحث بنفسها عن الإجابة في أقسام ومباني المستشفى.

اللحظات تمضي متثاقلة بطيئة، إذ مرّت ساعة.. ساعتان ولم تجد أم جهاد ابنها على الأسرة البيضاء ليُعالجه الطبيب ثم يُعودان معًا إلى البيت، لكنّها لم تيأس وظلّت تجوب المكان حتى لمحت شاب مضرجًا بالدماء في إحدى غرف العمليات، تأكدت فيما بعد أنه ابنها.

وقفت على الباب، قلبها يترجف، وكلّما مرّ من يُطيّب خاطرها تدحرجت من عيونها الدموع، فأي الكِلمات ستُطمئن فؤاد أمٍ مكلومة كهذه؟

جهاد الخطيب 18 عامًا أحد الجرحى الذين استهدفتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال مشاركتهم السلمية في مسيرات العودة يوم 14/5/2018م، تقول أمه:" جهاد ابني شاب يافع يُحب الحياة، ربيته من دم قلبي، تعبت كثيرًا حتى أصبح شابًا يسند الظهر، خاصة بعد استشهاد والده قبل أعوام".

ويُشارك جهاد في مسيرات العودة كباقي الشباب، وكانت دعوات أمه تُحصنه في كل مرة يذهب مع أصدقائه وأقاربه ليعود إلى حُضن فؤادها سالمًا، تُردف:" أصرّ يوم الاثنين الماضي أن يُشارك في مسيرات الزحف للأراضي المحتلة، كنت خائفة عليه كثيرًا لأن الأوضاع ساخنة، وكل شيء في ذلك اليوم محتمل، لكن قلبي لا يحتمل أي خدشٍ يُصيبه".

وبعدما خرج جهاد صباح الاثنين الماضي إلى الحدود الشرقية، جاء لأهله اتصال بعد حوالي ساعتين ليخبروهم بأنه مُصاب بطلقٍ ناري في الرأس، وآخر في الكتف تُكمل بصوتٍ مرتجف:" جئنا هنا لمستشفى الشفاء، فلم نجده وقالوا لنا جهاد موجود في مستشفى القدس، ذهبت مسرعة إلى هناك، لكني لم أجده، كدت أجن أين ابني؟ عُدت إلى الشفاء وبعد عناء تأكدنا من وجوده فيها".

في اللحظات الأولى التي وجدت دماء جهاد تتدفق من رأسه بغزارة حتى تلّون السرير الأبيض من دمه الطاهر، تخيلت أنها على مشارف وداعه، يؤكدون لها أنه بخير، لكنها الأم، لا تتغير فخدش يمسّ فلذة كبدها، قادر أن يحشو فؤادها بالقلق، فكيف بحالٍ كالذي يمر به جهاد؟

جهاد هو سند أهله، "ورجل البيت" كما تصفه أمه، يرقد حاليًا في المستشفى لاستكمال رحلة العلاج، على أمل أن يعود إلى حضن أمه بكامل عافيته، فعيونها مشدودة إليه تماما كما كانت عيونه مشدودة إلى الوطن المسلوب.

أ.م