أن تبكي ابنك عاجزًا وهو يتوجع أمام ناظريك، فهذا أشد الأوجاع ايلامًا، فكيف لو كنت طبيبًا، والمريض الذي بين يديك هو فلذة كبدك؟، ساري الشوبكي (22 عامًا) أحد جرحى مسيرة العودة الكبرى، أُصيب بطلقٍ ناري في منطقة الرقبة، ولا تزال حالته حرجة، إذ يرقد في العناية المركزة بمستشفى الشفاء الطبي، بشلل رباعي كامل.

دموع والده الطبيب داهود الشوبكي، لم تجفِ، منذ إصابة ابنه بتاريخ 14/ مايو الجاري، وفي قلبه جمرة مستعرة، فالشاب اليافع المندفع للحياة، والممتلئ بالأمنيات، ما عاد فيه شيء يتحرك سوى أجفانه، يقول والده لـ سبق24:" ساري كغيره من الشباب يحلم بحياة كريمة، وعيشة رضيّة، كان حافظًا لكتاب الله، يطمح لأن يحصل على شهادة السند في القرآن الكريم، شارك في مسيرات العودة بدافعٍ وطني نابع من ذاته وهذا ما أفتخر به، لكن رصاصة الاحتلال الغادرة أقعدته طريح السرير الأبيض".

بصوتٍ تخنقه حشرجة الدموع واصل حديثه:" لا يمكن أن أنسى يوم إصابة ساري، بحثت عنه في كل مشافي قطاع غزة، ولم أجده، فجئت إلى مستشفى الشفاء أبحث بنفسي في الأقسام وثلاجات الموتى عنه، دون نتيجة، لكنّي لم أفقد أمل وواصلت البحث حتى وجدته في إحدى زوايا المستشفى يسبح ببركة دماء ملفوف بغطاء أبيض ومكتوب عليه مجهول الهوية".

بالكاد استطعنا فهم ما يقوله هذا الأب فصوت البكاء امتزج بكلماته الحارقة:" من الساعة العاشرة والنصف صباحًا حتى ساعات العصر وابني مركون في إحدى زوايا المستشفى ينزف، وكلما تخيّلت كم مرة نادي عليّ؟ أتحرق، أكاد أفقد توازني".

ساري لا يستطيع الحركة، فالجزء السفلي للرقبة بحالة شلل رباعي كامل، أما الجزء العلوي لها فهو واع، والوسيلة الوحيدة المتبقية له للتواصل مع الغير هي حركة رموشه، ومن خلالها يتحدث معه والده ويقضى ساعات طويلة بجانبه كي يرفع من معنوياته ويدعمه.

كما أن ساري لا يعرف عن إصابته شيء، فما هي إجابة والده عليه حين يسأل عن حالته؟ :" اصابتك خفيفة، بس أنت يا بابا خايف، راح ترجع تتعافي، وأنا معك للآخر"، متسائلًا:" هل تعرفون شعور أن أرى ابني يذهب من بين يدي وأنا لا أستطيع فعل شيء له، سوى الدعاء والكثير من الدموع!"

ووجه والده رسالة لكل الجهات المسئولة والدول العربية والإسلامية، للنظر بعين الرحمة لجرحى مسيرة العودة التي لا تزال حالاتهم حرجة، ويرقدون في العنايات المركزة، آملًا أن يتلقى ردًا ايجابيًا ينقذ حياة ابنه.

أ.م