لا شيء هنا يُدل على أن المكان يصلح للعيش الآدمي، مجرد الرائحة من الخارج تصيبك بدوار فوري، لا يمكن أن تحتمل المكوث دقائق معدودة، لا الرائحة تطاق، ولا المكان يُعاش فيه، فلا أدري كيف يحتمله ساكنوه! 

إنه ليس منزلًا البتة، أقرب ما يكون إلى بضعة جدران تفصل غرفتين عن بعضهما البعض، والمدخل يحتاج لمنطاد للدخول لشدّة الحفر أسفل قدميك، فما عليك إلا أن تقضي أول بضع خطوات صعودًا وهبوطًا حتى تصل إلى المكان الذي تسكن فيه أسرة محمد عليوة، بحي الشعف في غزة.

علينا أن نسترجع مشهد الحياة قبل نصف قرن أو قرن ربما، لنتخيل شكل هذا البيت، فلا كهرباء ولا شبكة سباكة حيث تطفو مياه الصرف الصحي وتُشكل أرضية شبه دائمة لخمسة سنتميرات أعلى البلاط المهترئ هذا، أضف على ذلك أنه لا يوجد حمام لقضاء الحاجة ما يضطر الفتيات لطرق باب بيت عمهم في الأعلى كلما اضطرتهم الحاجة لذلك!

المطبخ أيضًا مفقود ضمن أحد أهم أساسيات البيت، ولا يوجد له أيّ أثار حتى، قد ترى ثلاجه قديمة في غرفة النوم خاوية على عروشها من الداخل، ولا أدرى كيف تعمل أساسًا، ربما على بقايا شبكة الكهرباء القديمة بالبيت، فلا ترى هنا مصابيح ولا أضواء ولا حتى ليدات، ثمة "كشاف" صغير اشترته سيدة المنزل بـ "واحد شيكل" لتستقبلنا.

بالفعل المكان معتم للغاية، والرطوبة عالية، عفن متجمع أسفل البلاط القديم، لا يوجد تهوية ولا منافذ لدخول نور الشمس أو الهواء، جدران مهترئة ومكان لا حياة فيه لعصفور فكيف يعيش داخله أحد عشر فردًا، وبعد كل ذلك تسألهم كيف تقضون شهر رمضان في ظل ضيق الحال؟!

في الحقيقة السؤال الطبيعي هنا هو كيف تستحملون العيش لدقيقة واحد في منزلٍ يقتل أهله صحيًا ونفسيًا، يقول رب الأسرة محمد: "كل ما أسعى إليه هو الحصول على عمل لأؤمن قوت أطفالي، العمل شحيح ومتقطع للغاية ولا أستطيع أن أوفر لهم الطعام لأتمكن من إصلاح البيت".

ومن المضحك المبكي في حال هذه الأسرة، ما يرويه ربها قائلًا: "زارتنا يومًا ما مؤسسة لتوفر لي مشروع تربية أرانب، وكان يجب أن ترى وضع أسرتي الصعب وبيتي المزري ليوافقوا على منحي الحق في تملك المشروع، وعندما جاءت المندوبة من المؤسسة ورأت البيت قالت هذا المكان حرام أن تعيش فيه الأرانب، ورفضت أن تمنحني المشروع لهذا السبب".

بقلبٍ يملؤه الحسرة والقهر، ناشد محمد شعبان عليوة كل أصحاب القلوب الرحيمة بأن ينظروا بعين الرأفة بحاله وحال أطفاله الذين أصاب بعضهم التسمم نتيجة مياه الصرف الصحي التي تطفو باستمرار هنا، مطالبًا إياهم بمساعدته بأي عمل يُمكنه من إصلاح بيته وإعالة صغاره.