زوجان مريضان يتكآن على ظهر الفقر المعوج ليُعيلا بناتهم الثلاث والجنين القادم، الأب فقد سمعه مذ كان طفلًا كما يُعاني من مرضٍ نفسي منذ سنوات، والأم زرعت قرنية في العين قبل الزواج وما تزال تعاني من ضعفٍ شديدٍ بالبصر، فيما كلاهما لا يجيدان القراءة أو الكتابة، أما مسكنهم هو غرفة على سطح بيت بابها من القماش المتآكل وسقفها بضع ألواح زينكو صدئة ومتهالكة.

محمد أبو بيض وزوجته فاطمة من حي الشجاعية بغزة، يعيشان على "الهوامش" في كافة أساسيات حياتهم، تقول فاطمة: "أذهب كل يوم إلى المخبز أطلب منه قليلًا من الخبز البائت وأقف ساعة أو ساعتين أنتظر على الباب فإن لم أجد أذهب لمطبخ الأرز عصرًا ليعطيني صحنًا آكله أنا وبناتي وكثير من الأيام لا نجد إلا الخبز الناشف".

وإذا أحببتم التعرف على مطبخ فاطمة الذي قد لا تحتاجه سيدة لا تملك أي صنف من أصناف من الطعام في بيتها، فهو عبارة عن حجرين صغيرين وَضِعا على الأرض تعلوهم قطعة من الصاج، تُشعل النار تحتها إذا تمكنت من بضعة دقيق من هنا أو هناك، أو كوب من العدس تهبها إياه جارة أو قريبة تطبخه بشيء من الماء المالح، فماء الشرب لا يتوفر لديها إطلاقًا.

أما الأشد هولًا من كل ما سبق هو دورة المياه التي تخلو من شبكة السباكة ولا باب لها وكل ما بداخلها هما جردليين للاستعمال، تقول: "اذا توفرت الماء حولي أحمل الجردل وأعبئه وأصعد به إلى غرفتي نستخدمه للشراب والغسيل والاستحمام"، بينما تظلّ بناتها الصغيرات لأسابيع دون استحمام.

بالطبع يخلو بيت فاطمة من الثلاجة والغسالة والغاز أحد أهم مقومات العيش في منزل، حتى أن أحدهم تبرع لها بفرن بينما لا توجد في بيتها جرة غاز ولا يمكنها أبدًا تعبئتها إن وجدت، فأصبحت تضع بداخله شيء من الورق والقماش القديم وتشعل النار إذا ما توفر لديه ما تخبزه أو تطبخه.

اذا ما جلست في بيت هذه الأسرة فعليك أن تحذر من الجراذين وابن العرس التي لا تخلو من المكان أبدًا، فإن لم تراها ستسمع أصوات قضمها دون أدنى شك، فغرفة على السطح بهذه المواصفات كيف ستخلو من الجراذين!

كل ما تحلُم به فاطمة وزوجها محمد أن يتمكنا من الحصول على الحق في العلاج والتداوي، فهما مريضان مزمنان يحتاج علاجها للكثير من التكاليف، أما صغيراتهم فإحداهن حرقت يدها من نارِ الصاج، وأخرى سقطت ذات مرة عن الدرج المعطوب فلم يستطيعوا علاجهم لعدم توفر تأمين صحي يمكنهم من التداوي في المستشفيات والعيادات الحكومية.

عائلة بأكملها لا تمتلك واحد شيكل (أقل من نصف دولار) في اليوم، تقول فاطمة: "زوجي يصلح للعمل في منجرة كم أمل أن يحدث ذلك، كم آمل أن يصبح لدي دورة مياه وأن أستطيع الطبخ في بيتي"، كل ذلك أمنيات بل حقوق في الحياة تأملها فاطمة كي لا تضطر لمد يد العوز للآخرين فما معنى العيش دون توفر مأكل وسكن صالح وعلاج؟



ن س/ م ب