في لحظةٍ كالحُلم بينما تؤدي مريم أبو دقة عملها بشكلٍ طبيعي، حيث تعمل كصحافية ومراسلة ميدانية، تغطي أحداث مسيرة العودة الكبرى في منطقة خزاعة شرق مدينة خانيونس، وأثناء إذاعتها أسماء الشهداء على زميلها في غرفة الأخبار فإذ بها تجد شقيقها بينهم فكانت الصدمة.

تقول: "في كل جمعة أتوجه أنا وإخواني الأربعة لمخيمات مسيرة العودة في خزاعة، بعضهم لأعمالهم وبعضهم يتظاهرون سلميًا في المكان، أما أنا فأواصل عملي بين التصوير والمراسلة".

تردف: "أخذت كاميرتي ومعداتي وقبل أن نصل المكان دار بيني وبين أخي محمد حديثًا قصيرًا إذ قال لي يا مريم.. الكاميرا توثق الأحداث من بعيد فالتزمي حدودك، فأجبته: أخي الرب واحد والنهاية واحدة فلتكن فداء للوطن وذهبنا لطريقنا مبتسميين".

كان ذلك آخر حديث تبادلوه الأخوة قبل أن يقضي محمد نحبه إلى جوار ربه وهو يتظاهر سلميًا في المكان مثله مثل آلاف المتواجدين، دون أن يتواجه مع جنود الاحتلال البتة.

مرت الساعة تلو الأخرى واشتد تزاحم الأحداث، ومريم توثقها على الهواء مباشرة، فظهرت تُحدث زميلها في غرفة الأخبار والمشاهدين أن قصفًا مدفعيًا عنيفًا استهدف نقطة رصد تابعة للمقاومة الفلسطينية شرق خزاعة وهناك أشلاء وجرحى في صفوف المدنيين”.

وما لبثت أن أغلقت الخط لتبحث مزيدًا من التفاصيل حول أسماء الشهداء وعدد الجرحى الذين سقطوا، فتقدمت نحو منطقة الاستهداف تتحدث لزميلتها التي ترافقها وتخبرها أن قلبها غير مطمئن لما يجري.

في تلك اللحظة وجدت مريم أشلاء متقطعة ودماء على الأرض نتيجة القصف العنيف، تقول: "للوهلة الأولى لم أتعرف على أحد وليتني لم أتعرّف فللوجع حدود وحينها اجتزتها أثناء معايشتي لشعور أن تكوني شقيقة أو أم أو زوجة لشهيد، فأخي الآن أحد الشهداء الذين تقطّعت أجسادهم".

انهارت مريم أمام الكاميرا وهي تخبر زميلها عن اسم الشهيد الذي تعرفوا عليه حتى تلك اللحظة، قائلةً بأقسى شعور راودها على الإطلاق: "الشهيد هو أخي".

تقول: "لم أتوقع في يوم ما أن أنقل نبأ استشهاد من كان يعني لي الحياة"، وقد كان أخيها معروفًا بشخصيته الكوميدية في المنزل وبين الأصحاب، يعيل أسرته من خلال عمله بالتجارة ويتواجد كل يوم جمعة على الحدود الفاصلة للتظاهر السلمي.

ن س