دنا من أذن صغيرته الحبيبة يُقبلها ويُسر إليها بأنه ذاهب إلى عمله، لم تطلب "سامية" ذات العامين هذه المرة منه الحلوى وهو عائد، كأنها عرفت أنه لن يعود، ومنذ يومين كان ذِكر الشهادة والاستشهاد لا يغيب عن لسانه أمام زوجته، لم تعرف أالله يلهمه تهيئتها أم هو كان يشعر بدنوها؟ 

ذاك عبادة فروانة (29 عام)، رجلٌ زاهدٌ في الدنيا لا يُعيرها أدنى اهتمام، ولا تُشغله متاعها ولو لثوان، قليل الكلام، عفيف النفس، غضيض البصر، هاديء الطِباع وله قلب أبيض كالحليب!

لم تستطع زوجته ليلى أن تخفي علامات الصدمة عن ملامح وجهها، بفراق زوجها الذي ما لبث أن غادرها حتى جاءها الخبر بعد ساعتين باستشهاده؛ مُخلّفًا لها سامية ذات العامين، وسما ابنة الـ 6 شهور، تقول والدموع تغالبها: "عبادة حبيبي والله، لم يقسو عليّ يومًا ولم يحرمني شيئًا".

تردف: "لم يكن يطلب الكثير، ويرضى دائمًا بالقليل، لم أرَ رجلًا أكثر منه برًا بوالديه، وعندما أنجبت ابنتي الأولى أسماها باسم والدته حبًا لها وبرًا بها، يقضي نهاره منشغلًا بالمسجد والصلاة والرِباط".

أما والدته سامية فروانة فقالت: "عندما أردت الخِطبة لعبادة سألني أن أجد له فتاة تعرف معنى الشهادة، واحدة ابنة عائلة شهداء لتصبر على فراقي وتصمد لحظة استشهادي، وبالفعل اخترت له ليلى الحية وهي التي أخرجت عائلتها من الشهداء الكثير، منهم أبوها وأخويها وأعمامها".

وفروانة هي مربية أجيال، قضت أكثر من عشرون عامًا في سلك التعليم، كل مَن يعرفها يراها مثالًا يحتذى به في الصبر والتحمل، لكنها لم تستطع مغالبة دموعها وهي تقول: "عبادة قالها أكثر من مرة ودعا الله إياها أن يرزقه الشهادة حتى يتقطع جسده قطعًا قطعًا في سبيل الله وقد نال ما سأل".

كان عبادة يؤوم أصدقائه محمد العرعير وأحمد البسوس في صلاة مغرب 25/ تموز الجاري، عندما استهدف الاحتلال الإسرائيلي مرصد المقاومة شرق مدينة غزة حيث يُصلون، بقذيفة مدفعية وهم ساجدين، أحالته وأحدهم إلى أشلاء ونالت الشظايا من الآخر فأردت ثلاثتهم شهداء.

ن س/ م ب