بعد أن كان شاطئ بحر غزة المتنفس الوحيد الذي يصطافون فيه أهل القطاع، هربًا من حرارة الطقس الملتهبة، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، في هذا الصيف لم يعد البحر متنزههم الطبيعي الجميل، بل أصبح نقمة بعد أن تحول منذ سنوات إلى مكبّ لمياه الصرف الصحي، وعلى إثره مُنعت السباحة في أجزاء واسعة منه.

ومع ذلك ونظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع سيما في الفترة الأخيرة، تجد عددًا كبيرًا من المواطنين يسبحون فيه؛ ولا يكترثون لتحذيرات البلدية من خطورة السباحة في مياه البحر الملوثة، لكونه المكان الوحيد الأكثر وفرة عليهم:" ولا بديل لدينا غيره" كما يقولون.

عائلة أبو عليوة تهرب بشكلٍ شبه يومي إلى شاطئ البحر هربًا من حرارة الجو داخل بيتهم، خاصة مع انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، يقول ربّ الأسرة:" لا أستطيع منع أطفالي الصغار من السباحة في البحر، لذا نحاول قدر الإمكان البحث على مكان أقل ضررًا من غيره، ونجلس فيه".

وأشار إلى أنه البحر هو المكان الوحيد الذي يمكننا الذهاب إليه والعودة منه متى شئنا، دون أن يكلفنا ثمنا باهظا، مردفًا:" كما ترون شاطئ البحر ممتلئا بعشرات المصطافين مثل عائلتي".
ورغم تحول مساحات واسعة من مياه البحر الزرقاء تحولت الى اللون الأخضر القاتم، بفعل مياه الصرف الصحي، يُردف:" أدرك مدى خطورة السباحة في المياه الملوثة، لكن هل هناك بديل دون تكلفة؟، البحر هو متنفسنا الوحيد".

ولم يكن هذا رأي عائلة أبو عليوة فحسب، بل ردد العديد من الشباب والعوائل ذات الحديث، ويقول أحد الشباب الذي قدم برفقة أصدقائه للسباحة في البحر:" الأجواء حارة والرطوبة مرتفعة جدا، وفوق ذلك انقطاع التيار الكهربائي لساعت طويلة، فإلى أين نذهب؟ نحن لم نأتِ للبحر إلا لعدم مقدرتنا الذهاب لمكان آخر".

وأكمل:" نعم في السنوات الأخيرة موضوع الشاليهات بدأ يطفو على السطح، ويرتاده الكثير من الغزيين، لكن أنا وأصدقائي كشباب لا نعمل، وليس لدينا مصدر رزق، من أين سيأتي بسعر الشاليه لنستأجره ونصطاف فيه؟"

وختم حديثه متهكمًا:" شو بدو يصير فينا أكتر من السوء الذي نمر فيه، خلينا نعيش كم يوم".

أما قاسم حسن، فكان قادم مع صديق له يجلس أمام شاطئ البحر، لم يفكر خلال الصيف الحالي، والماضي، بأن يأتي بأطفاله إلى البحر قائلًا:" كما تروح الأمواج لونها أسود، والرائحة كريهم فلا يمكن السباحة بها، وحرصًا على سلامة عائلتي منعتهم من المجيء للبحر".

وتابع:" حتى الشاليهات، لا أستطيع اصطحابهم إليها، لأن هناك مستلزمات أولى في الحياة في الظروف المعيشية التي نمر بها، فأفضل أن أنزههم على المنتزهات والأماكن العامة".

وتضخ بلديات القطاع مياه الصرف الصحي في مياه البحر؛ نظراً لقصور محطات المعالجة الأربع الموجودة بالقطاع، في معالجة المياه العادمة بالشكل المطلوب؛ بسبب انقطاع التيار الكهربائي أكثر من 20 ساعة يوميا، ونقص الوقود، ومنع دخول المضخات وقطع الغيار نتيجة للحصار الإسرائيلي.

وكانت قد أعلنت سلطة "جودة البيئة" في قطاع غزة تلوث مساحات واسعة من الشاطئ؛ جراء ضخ مياه الصرف الصحي إلى البحر دون معالجة؛ بسبب استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي، قائلةً: "إن انقطاع الكهربائي حوَّل مجمل شاطئ محافظات غزة إلى مستنقع آسن وملوث بفعل مياه الصرف الصحي غير المعالجة، محذرةً من كارثة بيئية تهدد شاطئ بحر غزة".

أ.م