بين مراكب الصيد في مرفأ الصيادين بمدينة غزة، تتلاطم أمواج البحر" الأزرق الساحر" الذي يحمل المعاني بمضادتها .. الهادئ الثائر، البسيط العميق، الوفيّ الغادر، أما أهله فهم كرماء بسطاء، لا يعرفون التكلف وعناء الرسميات، يستقبلون الزائر بوجوهٍ ضاحكة، وببعض أهازيج الصيد.

ورغُم ما يُعانيه الصيادون في عَرض البحر من مخاطرة، قد تُكلفهم أرواحهم أحيانًا، لأجل لقمة العيش إلا أن ذلك لا يمنعهم من عيش اللحظات بجوٍ من المرح والسمر، بين قوارب الصيد في ميناء غزة البحري، كان يجلس الصيّاد أبو محمد مع أولاده يقول:" أغاني الصيد ليست وليدة اليوم، فمنذ كنا صغارًا نُبحر مع أباءنا ونحن نؤنس ليالينا بالأغاني والأهازيج والمواويل القديمة".

الأغاني التي يرددها الصيادون داخل البحر ترتبط بحال رزق الصياد؛ كما يقول أبو محمد، فعلى سبيل المثال حين يرى الريّس الشباك تمتلئ بالسمك فإنه من شدة الفرح يُغني بما يخرج معه من كلمات؛ أما في حال كان الرزق زهيدًا فيكتفون بسحب شباكهم بصمت.

أبو محمد وهو يتشارك مع من حوله لفكّ شِباك الصيد تابع حديثه معنا:" نبدأ مع الساعات الأولى لليل حتى بزوغ الفجر، نستهّل ابحارنا بالدعاء لله طلبًا للرزق والبركة، ومن ثم نبدأ الترديد خلف الريّس:" هيي سهّل علينا يا رب ... هيي الله يرزقنا يا رب .. هيي كرمك يا رب هيي صلِّ على النبي " ليرتفع صوت الدعاء وتزداد شيئاً فشيئاً مع ازدياد مسافة إبحاره، وكأنهم بذلك يشدون أزر بعضهم البعض، والملاحظ تلك المواويل تحمل الطابع الديني الذي يربط بين الله الرازق والرزق

يصلُ الشِباك إلى الشاطئ محمّلاً بالسمكِ والأغاني، محمّلاً بالضحكاتِ والآهاتِ أحياناً، وتنزلُ السمكات كالذهب على رمال الشاطئ لتعلن أملاً جديداً لمن هم في حاجةٍ إليه، قصصهم، فرؤية الصياد لشباكه ممتلئًا بالسمك بعد رحلة شاقة من الإبحار في البحر ليلًا، هذا كفيل بأن يجعل مزاجه أكثر حيويةً ونشاطًا لما يعرف بدالية الصبح؛ وحينها يبدأ الريّس ومن معه بترديد ما يحفظونه من تراث البحر الغنائي:" هيلا هيلا صلّي على النبي.. هيلا هيلا والدايم الله .. هلا هلا والخير يارب تزيدو.. هيلا هيلا سدينا الدين يا ريّس".

كذلك من الأغاني التي يرددها الريّس:" طلع الصباح .. صبّح يا عليم .. والعِدّة فيها سردين .. وهيلا هيلا يا صياد .. هيلا هالله صلِّ على النبي.. وإن عجبك صلِّ.. وإن ما عجبك صلِّ ".. وهكذا يتفاعل الرفاق وينسون كدّ الليل وسهره بعد أن تراقص "الرزق" في "غَزل الصيد".

كيف تصِف يومك هذا مقارنة بالماضي؟، يُجيب بإندفاع:" آهٍ على أيام زمان.. كان رزق كتير، وراحة بال، وسعة صدر، كنّا نتعب ونشوف نتيجة تعبنا، أما الأن فالرزق بالقطارة كما ترون".

وعن أساليب الريّس في إعطاء أمل للصيادين حين يكون الرزق زهيدًا، يقول:" عندما يتسلل اليأس إلى قلوب الصيادين يبدأ برفع معنوياتهم وممازحتهم بالأغاني والأهازيج مثلًا:" صلوا على النبي ي شباب .. الله الرازق يا شباب هيلا هيلا يا صياد , الخير في الخيط الجاي ي شباب هيلا هيلا صلوا على النبي" .

وتحتاج الأغاني والمواويل التراثية التي يُغنيها الصياد داخل البحر تحتاج إلى "هداة البال" كما وصفها أبو محمد، ومن الأغاني القديمة التي يُرددها الصيادون أغنية أبو عرب :"وهدّي يا بحر هدي طولنا في غيبتنا .. ودي سلامي ودي على الأرض اللى ربتنا".


وتجدر الإشارة إلى أن المطّلع على هذه الأغاني سيلمس اللهجة المصرية المختلطة باللهجة الفلسطينية أحياناً، حيث كان البحر قبل عام 1982م مفتوحاً على مصر حتى بور سعيد؛ وفقاً لما ذكره خالد جمعة أحد الكتّاب الفلسطينيين والذي تناول هذا الموضوع في أحد أعماله.

ويقول جمعة إن الصيادين لا يقدرون على الغناء بعد استعمالهم المحركات لتحريك القوارب في الماء، "إذ لا صوت يمكنه مجاراة صوت المحرك الذي يهدر كوحش" وفق تعبيره.

أ.م