60 شيكلًا هي قيمة بنطلون جينز معروض في محلات الملابس في قطاع غزة، أمّا السعر الذي قدَّمه تجار هذه السلعة المستوردة في الفاتورة الضريبية المقدَّمة لدائرة الجمارك والمكوس فهو 1.7 شيكل فقط، وهو المبلغ الذي حُصِّلت الضريبة عليه.


يستخدم تجارٌ في قطاع غزة أساليب الخداع والتزوير من خلال تقديم فواتير ضريبية غير حقيقية لبضاعتهم التي تدخل القطاع عبر معبر كرم أبو سالم التجاري لدائرة الضريبة، وهو ما يُعرف بالتهرب الضريبي، وفق وثائق وإفادات وثَّقها مُعِدُّ التحقيق.

يكشف معد التحقيق من خلال وثائق تثبت ممارسة تجار ومستوردين الخداع والتلاعب في الفواتير من خلال وضع مبالغ منخفضة جدًّا لقيمة البضاعة المستوردة، وذلك ليدفع التجار ضريبة بالسعر المزيف المرصود بتلك الفواتير، وعدم دفع الضريبة بالقيمة الحقيقية للبضاعة.

وتوجد في يد مُعِدِّ التحقيق وثائق تتمثل في قضايا جمركية فُرِضَت في وزارة المالية في غزة على عدد من التجار الذين يمارسون التهرب الضريبي.
وتلجأ السلطات إلى تقليل الفجوة بين الأسعار المزيفة والسعر الحقيقي للبضائع للتجار الذين يمارسون التهرب الضريبي، وفرض "تعلية جمركية" وهو مبلغ يقدره موظف الجمارك على كل بضاعة قدَّم صاحبها فواتير غير دقيقة.

وتفقد الخزينة العامة ما يقارب 9 مليارات شيكل سنويًّا من جرّاء التهرب الضريبي على معبر كرم أبو سالم التجاري في قطاع غزة، وفق آلية حسابية لعدد الشاحنات التي تدخل قطاع غزة والفواتير المقدمة لدائرة الجمارك في غزة.

وحصَّلت دائرة الجمارك 60 مليون شيكل خلال عام 2017م من 1000 قضية جمركية تعاملت معها، وهي لتجار قدَّموا فواتير ضريبية غير دقيقة ومزيفة بغرض التهرب الضريبي وفق مدير معبر كرم أبوسالم التجاري جمال الزيان.

المفارقة أن ماهر الطباع مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة وممثل التُجّار، يقرّ بأن تجار غزة يمارسون التهرب الضريبي بالفعل، ويحرصون على عدم وضع السعر الحقيقي للسلعة المستوردة حين تُقَدَّم للسلطات على المعبر، رغم عدم قانونية ذلك.

ويُعَدُّ التهرب الضريبي جريمة يعاقب عليها القانون الأساسي الفلسطيني بتغريم المتهرب من الضريبة التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الحبس، وذلك لأن لها آثارًا سلبية في قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها في المجتمع حسب مدير عام التخطيط والسياسات بوزارة الاقتصاد الوطني، أسامة نوفل.

الحاوية الأولى

في الوثيقة الأولى فاتورة ضريبية مقدمة من أحد المورِّدين لحاوية ملابس، وجاءت فيها الأسعار المقدَّمة كالآتي: بنطلون جينز (273) كرتونة، ثمن البنطلون الواحد مقدم في الفاتورة (47 سنتًا)، والإجمالي 128.82$، أما سعر البنطلون الواحد الحقيقي في السوق 20 دولارًا.

السلعة الثانية بيجامة ولادي (1260) كرتونة، مقدم في الفاتورة (59 سنتًا) للبيجامة الواحدة، والإجمالي (743.17$)، أما سعرها الحقيقي في السوق (15 دولارًا).

السلعة الثالثة طقم ولادي (4284) كرتونة، ثمن القطعة الواحدة (1.28$)، أما سعر القطعة الواحدة في السوق (27 دولارًا)، فيما السلعة الرابعة طقم بناتي (4322) كرتونة، ثمن القطعة الواحدة (1.43$) أما سعرها في السوق (25 دولارًا).

السلعة الرابعة بلوزة ولادي (4680) قطعة، ثمن القطعة الواحدة (30 سنتًا) (3 أغورة)، أما سعرها في السوق (25 دولارًا)، والسلعة الخامسة قماش جينز (9101 متر)، ثمن المتر (22 سنتًا) أما سعر متر القماش في السوق جملة (17) دولارًا.

والسلعة السادسة قماش بنطلون جينز (12010) متر، ثمن المتر (19 سنتًا) أما سعر المتر الواحد في السوق جملة (18) دولارًا، وورق حائط 20 رولًا (دائرة كبيرة من ورق الحائط)، ثمن الرول الواحد (1,10 دولار)، أما سعر الرول الواحد في السوق جملة (100 دولار).

قماش جيبة (10128.9 متر)، سعر المتر الواحد (0.06$)، أما سعر المتر الواحد في السوق جملة 5$. 

جرابين بناتي 400 كرتونة، ثمن الكرتونة الواحدة (50 سنتًا)، أما سعر القطعة الواحدة في السوق (4 دولارات).

طقم طاولة وكراسي العدد 2، (72 دولارًا)، أما سعر الطقم الواحد في السوق يصل إلى (600 دولار).

القيمة الحقيقية لهذه الحاوية (120 ألف دولار)، وقيمة التهرب (36 ألف دولار) المبلغ المقدم حسب الفاتورة المزيفة 18 ألف دولار.

الحاوية الثانية

تشمل الحاوية الثانية بضائع أقمشة وملابس، وتاجر هذه الحاوية قدَّم فاتورة مزيفة للكميات المستوردة، وكان أولها أقمشة بوزن 856 كيلو جرام، ثمن الكيلو جرام الواحد 35 سنتًا أرقام غير دقيقة.

والثانية مستلزمات أقمشة 215 كيلو جرام، ثمن الكيلو 35 سنتًا، أرقام غير دقيقة، وملابس 1850 كيلو، ثمن الكيلو الواحد 40 سنتًا، وملابس 6644 كيلو، ثمن الكيلو الواحد 35 سنتًا، وروب حمام ثمن الواحد 1.5 دولار، أما سعره الحقيقي في السوق 35 دولارًا.

وشملت الحاوية حقائب نسائية 240 حقيبة، ثمن الحقيبة الواحدة 35 سنتًا، أما سعر الحقيبة في السوق يصل 18 دولارًا.

وتوصَّل مُعِدُّ التحقيق إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الحاوية 150 ألف دولار أمريكي، وقيمة الفاقد والتهرب الضريبي 42 ألف دولار أمريكي، أما القيمة الإجمالية المقدمة للحاوية 4993 دولارًا.

وتلاعب أيضًا تجار الحلاوة المستوردة، حيث قدَّم أحد التجار في الفاتورة ثمن العلبة الواحدة ووزنها 550 جرامًا 56 أغورة (أقل من شيكل)، أما سعرها في السوق 10 شواكل.

تحليل الوثائق

وضع معد التحقيق الفواتير الضريبية المزيفة بين يدي مستشار الضرائب والمحاسب القانوني د.سمير الدقران الذي أخرج من خلال عملية حسابية نسبة التهرب الضريبي لكل حاوية، بحيث كانت نسبة ما فقدته الخزينة العامة من الحاوية الأولى هي 120 ألف دولار، فيما قدَّم التاجر المبلغ الإجمالي لكل الحاوية 4993 دولارًا.

وفي الحاوية الثانية وضع التاجر مبلغ 18 ألف دولار لتحصيل الضريبة منه، فيما المبلغ الحقيقي للحاوية فهو 100 ألف دولار، والحديث للدقران.

وفي الحاوية الثالثة التي هي عبارة عن حلاوة ومُربّى فقدّم التاجر المبلغ الإجمالي للحاوية 24 ألف دولار، ولكن الرقم الحقيقي حسب أسعار السوق 250 ألف دولار أمريكي، وهنا تُحصَّل الضريبة حسب الرقم غير الدقيق المقدم في الفاتورة المزيفة.

ومن خلال حساب الدقران لمتوسط دخول الشاحنات عبر معبر كرم أبو سالم وهو 500 شاحنة يوميًّا، ومتوسط التهرب لكل شاحنة 15 ألف دولار، فإن الخزينة العامة تفقد 7 ملايين شيكل يوميًّا بمعدل 2.700 مليار شيكل سنويًّا.

المستشار الضريبي السابق سمير الدقران يؤكد أن الحكومة الفلسطينية في حقيقة الأمر لا تجبي من الجمارك والضرائب على السلع والخدمات المستوردة التي تدخل منطقة السلطة سوى 15-20% من المستحقات الحقيقية للسلطة على هذه السلع والخدمات.

ويقول: "إن التجار يمارسون التزييف للفواتير، إذ لا بد من استخدام النظم والمعايير المحاسبية لتقييم السلعة المستوردة حتى تعكس القيمة الحقيقية وتُحسَب الجمارك (ض. ق. م) عليها بعد إعادة تقييمها وتشديد الرقابة على المعابر ومحاسبة كل من يتهرب ويزور الفواتير، لأن من يقوم بذلك هو مجرم لا بد من محاسبته قانونيًّا وردعه.

وينص القانون الأساسي الفلسطيني المعدل عام 2011م، رقم 8، في مادته رقم (37) بشأن ضريبة الدخل، أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (1000 شيكل) ولا تزيد على (10000 شيكل) أو بكلتا العقوبتين، كل من تهرب أو حاول أو حرَّض أو اتفق أو ساعد غيره في اصطناع أو تغيير فواتير الشراء أو البيع أو غيرها من المستندات بغية تخفيض الأرباح أو زيادة الخسائر.

عقوبات وقانون

ويعاقب القانون أيضًا كل من أعطى خطيًّا أي جواب كاذب عن أي سؤال أو طلب وُجِّه إليه للحصول على معلومات أو بيانات يتطلبها هذا القانون، وذلك بهدف التهرب من دفع الضريبة كليًّا أو جزئيًّا.

وأبرز ما جاء في العقوبات في القانون هي المعاقبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة أو بغرامة لا تقل عن (100) دولار ولا تزيد على (1000) دولار، أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونًا أو بكلتا العقوبتين كل من ارتكب أو حاول أو حرض أو اتفق أو ساعد غيره بقصد التهرب من الضريبة.

ثقافة لدى التجار

صلاح البسوس مدير التفتيش في الجمارك يؤكد أن غالبية تجار قطاع غزة المستوردين للبضائع يقدِّمون فواتير ضريبية مزوَّرة وغير حقيقية، وذلك بهدف عدم دفع الضريبة الحقيقية لقيمة بضائعهم.

ويقول البسوس: "إن التهرب الضريبي يُعَدُّ ثقافة لدى التجار بحيث تفقد الخزينة العامة 40% من قيمة المال المتداول عبر معبر كرم أبو سالم، وهو رقم كبير جدًّا".

ويبين أن الجهات الرسمية تفرض التعلية الجمركية وهي وضع مبلغ مالي لتعويض الفروق الموجودة بقوة بكل الصفقات التي تُستَورَد من الخارج.
وذكر أن الغالبية العظمى للتجار يقدِّمون أسعارًا غير حقيقية.

ويعرِّف مدير عام التخطيط والسياسات بوزارة الاقتصاد الوطني، أسامة نوفل، التهرب الضريبي بأنه تقديم التجار المورِّدين أوراقًا وفواتير غير دقيقة لبضائع تؤثر في تحصيل الدولة وخزينتها العامة من الضرائب.

ويُعَدُّ التهرب الضريبي جريمة فساد يعاقب عليها القانون الأساسي الفلسطيني بتغريم المتهرب من الضريبة التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الحبس، وذلك لأن لها آثارًا سلبية في قدرة الدولة على الإيفاء في التزاماتها في المجتمع، حسب نوفل.

ويوضح نوفل أن الجهة الحكومية تفرض ما يعرف "بالتعلية الجمركية" على التجار الذين يتهربون من الضريبة، وذلك لضمان دفع فرق التهرب الضريبي، وهي قانونية ومعمول بها لدى السلطة الفلسطينية منذ التسعينات.

ويكشف أن الجهة الحكومية في غزة طبَّقت التعلية الجمركية على التجار الذين يقدِّمون فواتير غير دقيقة، ولكنها لم تكن تحصِّلها بشكل دقيق، حيث إنها كانت تفرض 20% من التعلية ولم تكن تحصِّل الرقم كاملًا.

ومع تسلُّم السلطة الفلسطينية معبر كرم أبو سالم، يلفت نوفل إلى أن السلطة بدأت تحصيل التعلية الجمركية كاملة، وذلك من خلال برنامج اسمه "سكود" يقوم بمعرفة القيمة الحقيقية والدقيقة لبضائع التجار.

وعن أسباب تهرب التجار بشكل مستمر، يرجع نوفل السبب إلى عدم تقديم السلطات الخدمات والتسهيلات اللازمة لهم.

ويبين أن (إسرائيل) تستفيد حين يقدم التجار فواتير غير دقيقة، لأن ذلك يقلل حجم المدفوعات للحكومة في غزة.

ماهر الطباع مدير العلاقات العامة والإعلام بغرفة تجارة وصناعة محافظة غزة يؤكد أن تجار غزة يمارسون التهرب الضريبي بالفعل، ويحرصون على عدم وضع السعر الحقيقي للسلعة المستوردة حين تُقَدَّم للسلطات على المعبر فواتير غير دقيقة.

وأكد أن تجار غزة يحرصون على عدم وضع السعر الحقيقي للسلعة المستوردة من أجل تخفيف من الضريبة والجمرك، وذلك حتى تصل للمواطن بسعر مناسب، لأن التاجر إذا دفع الضريبة الحقيقية لن يستطيع بيع السلعة في غزة.

ووفق التقرير الاقتصادي السنوي عام 2015م للمجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار "بكدار"، فإن أسباب التهرب الضريبي في فلسطين تعود إلى عدم وجود سيطرة فلسطينية على المعابر والحدود.

ويرجع التقرير أيضًا التهرب إلى ضعف المتابعة وهشاشة الرقابة على قيمة فواتير المقاصة التي تعدها (إسرائيل) دون شفافية، وذلك يكون سببًا رئيسًا لتحفيز ضعاف النفوس إلى التهرب الضريبي.

ويَعُدُّ "بكدار" أن القصور في التشريعات يوفر بيئة مواتية للتهرب الضريبي، إضافة إلى أن الإجراءات المتَّبعة للرقابة والحد من ظاهرة التهرب الضريبي لا تسهم بالشكل المطلوب في تحقيق الهدف المرجو منها.

جريمة قانونية

وائل بعلوشة مدير الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) في غزة يعد التهرب الضريبي جريمة يجب محاسبة مرتكبيها لأنه فعل يجرِّمه القانون.

ويقول: "إن بعض الاستثناءات تساعد في عملية التهرب التي تُمنَح لبعض التجار من خلال استخدامهم نفوذهم، من خلال ضريبة تقديرية لتاجر تختلف عن تاجر آخر".

ويشير إلى ضرورة التدقيق والمتابعة من الكوادر الرسمية لمعرفة الأرقام الحقيقية للبضائع من أجل تقليل نسبة التهرب الضريبي.

ويوضح بعلوشة أنه يجب محاسبة التجار على التهرب، ولا يكون الحل من خلال التراضي وغرامات مخففة، لذا يجب أن يكون هناك حكم ردعي تنفيذًا لأحكام القانون.

وشدد على ضرورة أن يؤدي القضاء دوره، وذلك لضمان حماية الردع وحماية الخزينة العامة.


A.B.L