لم يعد المتابع للتطورات المتسارعة على الساحة الفلسطينية يستطيع فهم الكثير من تفاصيلها، فما إن يضع يده على نقطة تلحقها أخرى أكثر أهمية تنسف ما سبق الحصول عليه من معلومات وتقديرات.

شغلتنا تجاذبات فتح وحماس عما يتم تدبيره للقضية الفلسطينية، وقدمت تصورات وممارسات الفصائل والسلطة الوطنية مبررات كافية لإسرائيل والولايات المتحدة لتحويلها إلى قضية إنسانية وكفى.

التقارب في معادلة القوى بين فتح وحماس، بدلا من أن يتحول إلى ميزة تفيد الشعب الفلسطيني، بات نقمة تشل حركته حاليا وتقضي على مستقبله لاحقا. ودخل الطرفان معركة تدور رحاها حول معادلة واحدة بشأن أيهما يستسلم ويرضخ أولا.

فتح، ومعها السلطة الفلسطينية، تشد الخيط على استقامته لفرض عقوبات على غزة، انتقاما من حماس، وأملا في أن ينقلب عليها سكان القطاع، دون إدراك أن أحد أهم أسرار حماس هو المتاجرة بالمعاناة والحصار، وتوظيف خطاب المظلومية الذي درجت قوى الإسلام السياسي على استثماره في جميع محطاتها.

الرئيس محمود عباس (أبومازن) يصر على استكمال سلسلة العقوبات الاقتصادية ضد حماس. والأخيرة تدفعه نحو هذه الهاوية. تظهر تجاوبها مع جهود الوساطة المصرية، وتعلن تبدل الأولويات بما يتناسب مع رغبة أبومازن. تتبنى خطابا ضمنيا يميل ناحية المصالحة على حساب التهدئة، ثم تحدث تعديلا يجعل التهدئة مقدمة على المصالحة.

محاولات التبديل والتوفيق التي تقوم بها حماس، تأتي من رحم قراءة سياسية واعية لما تريده، وتنبع من تقدير عميق لما يمكن أن تقدم عليه فتح لاستفزازها وجرها إلى المربع الذي تريد الدخول فيه قيادة حماس، وهو التعويل على متلازمة الازدواجية والانسداد، باعتبارهما المجال الحيوي الذي يمكّنُ الحركة من ممارسة أعلى مستوى من الاتساق مع الأهداف.

حماس تريد التهدئة مع إسرائيل من دون التوصل إلى اتفاق مكتوب يلزمها بالتخلي عن سلاح المقاومة. وتوحي بأنها مع المصالحة من دون أن تقدم التنازلات اللازمة لإتمامها. تريد الوحدة بين القطاع والضفة الغربية، من غير أن تكون ملزمة بالتخلي عن السيطرة على غزة. تسعى للحفاظ على علاقتها مع مصر وتتهرب من وقف التماهي مع قطر وتركيا.

الواضح أنها مع الشيء ونقيضه. لن تستطيع تبني خيارات حاسمة، طالما لديها قدرة على المناكفة والمناورة، والاستفادة من التطورات المتلاحقة، التي جعلت منها رقما يصعب تجاهله في حالتي الحرب والسلام.

هي صيغة وصلت إليها الحركة بعد فترة من التقلبات السياسية، وجدت أن القبض على العصا من المنتصف يضمن لها القفز على الكثير من الحواجز السياسية والأمنية والاقتصادية.

في المقابل، لم تتمكن فتح من ممارسة هذه الألعاب، ووضعت قيادتها نصب عينيها أنها الحركة الأقدم والأقدر على مجابهة الواقع، حتى وصلنا إلى مرحلة كأنها عادت إلى تبني خيار المقاومة الذي نبذته منذ أن أعلنت حل جناحها العسكري (كتائب شهداء الأقصى)، وبدت حماس كأنها مع التسوية التي رفعت الفيتو الخاص بها، منذ قيامها بإدخال تعديلات على ميثاقها العام الماضي، والتزمت بضبط عمليات المقاومة حيال إسرائيل.

التغير في التصرفات المعلنة لا يعني تحولا في الممارسات المستترة، لكنه خضوع لمتطلبات المرحلة، وتأكيد على أن لكل حركة مساحة جيدة تساعدها في الضغط على الأخرى، ما يؤدي في النهاية إلى عدم مبارحة الخندق المسدود الذي تعيشه القضية الفلسطينية.

لست بحاجة إلى تكرار ما ذكرته سابقا بشأن التأثيرات المميتة للمواقف الشخصية والحركية، وما أفضت إليه من تداعيات سلبية على القضية الفلسطينية. لكن المطلوب هو التفكير في المعاني الخطيرة التي يحملها التوازن الراهن في القوى بين الحركتين، ويجعل من تجاوز الخلافات عملية غاية في الصعوبة، ويجهض جميع المحاولات الرامية إلى المصالحة الوطنية.

الحاصل أن طي صفحات الانقسام لم تتوفر له عوامل إيجابية كافية، وأهمها وجود قوة مركزية وطنية تلتف حولها الحركات الأخرى. عندما كانت فتح قوية تمكنت من القيام بهذا الدور، ونجحت في تجميع الفصائل خلفها، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والتي مثلت ركنا أساسيا في التوجهات المختلفة.

مع أن الهوة كانت بعيدة بينها وبعض القوى الأخرى، غير أن فتح استطاعت الاستفادة من هذا التباعد، وحولته إلى عنصر جذب وإضافة وليس تناحرا وخصما من رصيدها المادي والمعنوي.

فتح وحماس، وصلتا إلى ما يمكن وصفه بالطريق المسدود، وكل الخطوات التي تقوم بها القاهرة تندرج في إطار توصيل رسالة تشير إلى أن هناك عملية سياسية جارية لإنهاء الانقسام ومنع المزيد من التدهور.

القريبون من الملف الفلسطيني، بدأ يتسرب إليهم فقدان الأمل في إنهاء الخلافات، لكنهم لن يستطيعوا إعلان ذلك على الملأ، لأن هناك تحركات موازية يمكن أن تستفيد من نعي المصالحة رسميا، ويتم البناء عليها بخطوات تضاعف من الأزمات التي تعاني منها القوى الفلسطينية.

وصول وفود إلى القاهرة ومغادرة أخرى، لا يعني أن الأزمة توشك على الانتهاء، ربما كلما زاد التردد على القاهرة معناه أن العُقد تكاثرت بصورة مخيفة، وأضحى ما يدور في الغرف المغلقة أقرب إلى وقف التدهور بالمسكنات السياسية، لا توفير علاج للقضايا الخلافية. الخوف من وفاة المصالحة نابع من أن روافدها سوف تكون لها نتائج سلبية على مستويات متعددة، ما يمنح إسرائيل أريحية للمزيد من التلاعب بالقضية الفلسطينية، واستمرار الولايات المتحدة في تنفيذ ما تتضمنه صفقة القرن قبل الإعلان عنها رسميا.

كل ما تحاول بعض الأطراف العربية عمله يدور في فلك ضبط الانفلات ووضعه في أقل مستوى ممكن. لكن ما تقوم به فتح وحماس سوف يقود إليه لا محالة، لأن تصميم كل طرف على رؤيته يفوق مرحلة تكسير العظام ويدخل ضمن باب الفناء.

اختفاء أحد الفصيلين أو وصوله إلى مرحلة متدنية من الضعف، قد يكون أحد الحلول التي تخفف من وطأة المأساة الفلسطينية، وتفتح الطريق لصعود فتح أو حماس بمفردها لتولي دفة القيادة الوطنية، التي بات من المستحيل أن توجد في ظل توازن القوى الحالي.

المشكلة أن تجاوز العقبة غير متوقع في المدى المنظور، فكل فريق لديه من الأوراق والأنصار والمؤيدين والمحرضين، من الدول والجماعات السياسية، والقوى المادية والمعنوية، ما يؤدي إلى الحفاظ على الحالة الراهنة، التي تقف عند قاعدة لا غالب ولا مغلوب، ليس في ملعب الحل السياسي، لكن خارجه أيضا.

الحبل المشدود الذي تسير عليه فتح وحماس، أنهك القضية الفلسطينية تماما، لأن هناك من يستمتعون بهذه الحالة السيئة، التي تحولت إلى ارتياح. فعندما تعيد فتح النظر في إجراءاتها العقابية، تمعن حماس في استفزازها لأن التراجع يجبرها على الإنصات لحديث المصالحة. وعندما تقوم الأخيرة بتجميد التهدئة، تستفزها الأولى بما يجعلها ترفض التفريط فيها.

الدوران في الحلقات المفرغة تحول إلى هدف لدى الحركتين، لكن حتما سوف تأتي لحظة مناسبة للحسم والانتصار للقضية الفلسطينية، قبل أن يطويها النسيان جراء الصراع بينهما.

A.B.L