في الأول من تشرين أول/ أكتوبر عام 2000 يكتمل المشهد. فلسطين تولد من جديد، من البحر إلى النهر واحدةً موحدة. شعبها الهادر، بشيبه وشبابه، يعيد اكتشاف ذاته، ويتعرف على قوته المخزونة، وينتشل وحدته الوطنية من مقبرة أوسلو. كما يعيد اكتشاف وحشية عدوِّه الذي لم يتورّع في استعمال كل أدوات القتل ضد أناس عزّل. فتنزف دماء غزيرة، وتزهق أرواح كثيرة، وتتوالى أنباء سقوط الشهداء.

بدأ المشهد في ساحة الأقصى، وراحت شرارته تتّسع وتتمدّد، مع كل شهيدٍ يقتله المستعمر، إلى أرجاء الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن ثم إلى داخل الخط الأخضر. إذ بعد يومين وبدء انتشار مشاهد القتل المروّعة في وسائل الإعلام ووصولها إلى كل بيت، هاجت الناس في سخنين وعرابة والناصرة وأم الفحم وكفركنا وفِي كل بلدة عربية. بدأ الشهداء يسقطون بالجملة. بعضهم تعرفهم شخصيا، فتصبح الصدمة صاعقة، صدمة الفقدان، وشديدة الوقع على النفس. وفِي هذه الحالة يتولد وضع شديد الإرباك، مخلوط بالحزن والتحدي، إذ أنت جزءٌ من هيئةٍ قيادية، حزبية، وقطرية، اتخذتْ قرار الإعلان عن الإضراب العام، وأنك أحد دعاة الإضراب.

لم تنزل الموجات الانتفاضيّة الأولى إلى الشارع، داخل الخط الاخضر، بدعوة من القيادات، بل كانت عفوية، صافية. ولكن الأمور تغيّرت بعد ساعات، حيث أصبح القرار بيد الهيئات التمثيلية، التي كلما سقط شهيد، كانت تدعو إلى التصعيد، حيث بات مطلوبا الضغط على نظام القتل من أجل وقف جرائمه، إذ لم يستوعب فلسطينيو الداخل أن يقتلوا على يد "دولتهم" وهم متظاهرون عزل من السلاح، ولم يفكروا قط بالبحث عنه أو استخدامه. كان ولا يزال، ومنذ النكبة، شكل مقاومتهم لنظام القهر، سلميًا؛ مقاومة شعبية، ثقافية، وقانونية، وبرلمانية.

هكذا انشغل الداخل بنفسه، وراحت بعض القيادات المحلية تجتمع مع حكام إسرائيل في القدس، لوقف القتل ضد فلسطينيي الثمانية وأربعين، في الوقت الذي تواصلت الملحمة/المجزرة في الضفة والقطاع، وكانت هناك مختلفة، إذ لم يُقتل الفلسطينيون فقط، بل كان يقتل كل يوم إسرائيليون أيضًا. لقد دفعت وحشية المستعمر الفلسطينيين إلى استعمال السلاح، دفاعا عن أنفسهم.

لم يكن بمقدور فلسطينيي الثمانية وأربعين أن يصمدوا أكثر من 11يوما، وهي أطول انتفاضة شعبية في تاريخهم فهم لم يكونوا جاهزين لتطور من هذا النوع، فقد استفاقوا على واقعهم الذي يعتمدون فيه على اقتصادٍ تابع بالكامل. انتهت انتفاضتهم البطولية بعد أن سقط 13شهيدًا. أمّا الانتفاضة في الضفة والقطاع، فقد انتهت بخمسة آلاف شهيد، وألف قتيل إسرائيلي، واستمرت لأكثر من أربع سنوات. إنها المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية الأطول، والأعنف، والأشمل على أرض فلسطين كل فلسطين، منذ النكبة. وهي مواجهة صدمت العدو، ووضعته وجها لوجه، أمام حقيقة لا يستطيع دحضها أو الالتفاف عليها أو طمسها مهما امتلك من قوة وآلات تضليل، وهي أن شعبا ولد على هذه الأرض، وعاش فيها مئات السنين، باقٍ فيها إلى الأبد. ليس هذا فحسب، بل مستمر، ومصرّ على نيل حقوقه.

إلا أن سوء حظ هذا الشعب، يكمن في قياداته، تلك التي، رغم تضحيات هذا الشعب، افتقرت إلى الموهبة، وإلى القدرة، والمهارة على استثمار كل هذه الانتفاضات المجيدة، وعلى إدارة الصراع مع المستعمر بصورة أفضل، وقيادته إلى النصر. إلى هنا يمكن فهم الأمر أو تفهمه، إذ يحصل عند شعوب أخرى أن تخفق قيادتها في تحقيق النصر في مرحلتها، فتأتي قيادة جديدة أكثر قدرة لتواصل المسيرة وتبدل النهج. أمّا في حالتنا الفلسطينية، فإن كارثتنا، هو في إصرار القيادة التي قادت الثورة من هزيمة إلى أخرى على البقاء في موقعها القيادي. والأنكى من ذلك هو أنها بدل أن تطلق يد الشعب ضد المستعمر، تقدم على معاقبة جزء من شعبها المحاصر. هل عرف تاريخ حركات التحرر سقوطا أخلاقيا من هذا النوع؟ لا أظن.

وفِي ظل هذه الحالة الفلسطينية، إنه لأمر ذو دلالات رمزية أن يصدر قرار الإضراب العام لإحياء الانتفاضة الفلسطينية الثانية والهبة الشعبية داخل الخط الأخضر، من فلسطيني الثمانية وأربعين. وقد صدرت الدعوة أساسا من التجمع الوطني الديمقراطي، وهو الحزب الذي دأب، في ممارساته، وعقيدته، وتنظيراته، على التعامل مع شعب فلسطين كوحدة واحدة. إنها المرة الأولى، منذ 18عاما، يؤخذ قرار مشترك لإحياء الانتفاضة الفلسطينية، بإضراب عام، عنوانه الأساس، إسقاط قانون القومية، وأن يكون تاريخ الإضراب يوم التحام فلسطينييّ الثمانية وأربعين بالانتفاضة الثانية. ولكن الاكتفاء بهذا العنوان ينطوي على إشكالية مفهومية، بالنسبة لشعبٍ يسعى إلى التحرر من نظام استعماري وفصل عنصري بغيض ومتوحش، لا إسقاط قانون فحسب. وفِي إطار هذه المسألة يطول النقاش.

ولكن يبقى السؤال نفسه، هل يكون هذا الإضراب الوطني كفزعة تل أبيب، التي لم يبق منها أثر؟

A.B.L