تفوح رائحة الأصالة الفلسطينية من يدي الجدّات الخشنات وهُنّ يقمن بتخزين الأطعمة على اختلاف أنواعها، من الزيتون فالرطب إلى تجفيف عروق البامية والبندورة والفلفل الأحمر وغيرها الكثير ممن تحفظه النسوة في فصلِ الخريف.

ويتهافت الشبان على قص قطوف البلح المرطب بعد أن يكونوا قسموا أنفسهم إلى فِرق أحدها في الأعلى تسلقت النخلة وعسفها لتقص القطوف، وأخرى تناولتها منها بالأسفل، وأخرى تولت مهمة تفصيصها إلى أن يأتي دور النساء بغسل الرطب حبة حبة وانتزاع النوى وصفه في أواني للتجفيف، ولا ننسى تغطيته بشالٍ أبيض خفيف ليحميه من نقرات العصافير المتطلفة.

ويتبع تلك المَهمة أخرى، تتمثل في مداومة صف الأواني في الشمس طوال النهار، ونقلها إلى داخل البيت ليلًا، ثم معاودة الأمر صباحًا من ثلاث إلى أربعة أيام حتى تجف، وتنشف تمامًا عبر الفرن ثم يتم تجميعها وصنع العجوة منها.

وتتشابه مهمة تجفيف البندورة، أما الفلفل الأحمر وعروق البامية فإنها تُترك بعد أن تُخيط في خيطٍ متين كأنها عقود من الخرز لتتدلى على الجدران المشمسة في فرندا البيت، ولكنها قد تأخذ وقتًا مضاعفًا بالنسبة للرطب في التجفيف، وما أن تصبح جاهزة تُوضع في مرطبانات للحفظ شهورًا طويلة.

أما بالنسبة للزيتون فإن تخليله له حكايا مختلفة، فليس كل نوع من أنواع الزيتون يَصِح للتخليل، فمنه ما لا يجوز إلا درسه في معاصر الزيتون ليُصبح زيتًا، ومنه ما يتم تخليله في مرطبانات وزجاجات لأشهر حتى يُصبح جاهزًا للأكل، وآخر يتم تشمسيه لبضعة أيام ويُصبح جاهزًا فورًا.

فالأكلات الفلسطينية على اختلافها لكلٍ منها فن مدروس ومتقن بشكلٍ علمي توارثته الأمهات عن جداتها ليصبح عالمًا بحدّ ذاته.