مع ساعات المساء الأولى ونسمات الهواء الباردة تعانق ضحكاتهم، نصب الرفاق الثلاثة شباكًا لصيد العصافير، بالقرب من بيوتهم التي اعتادوا اللعب بساحاتها، لكن وقبل أن يُكملوا هوايتهم في صيد العصافير، اصطادتهم طائرات الاحتلال الإسرائيلي بصواريخها، لتقتل فرحة الطفولة فيهم ولتظّل دماءهم لعنة تُطارد هذا العدو.

كان من بين هؤلاء الشهداء، وحيد عائلته وحبيب أخواته الخمسة الطفل محمد السطري (13 عامًا)، ففي ساعات المساء ليوم الأحد الماضي، وبينما يُخيم الصمت على المنطقة سُمع دوي انفجار شديد هناك، " الله يستر" كانت كلمة أهل الحيّ ولم يكن معروف بعد ماهي حيثيات الانفجار، حتى أُعلن فيما بعد عن استهداء مجموعة من المواطنين.

سارو القلق فؤاد العائلة، إذ أن محمد ذاهب منذ ساعات مع أصدقائه لصيد العصافير ولم يعد، أخذ الوالد يتصل بإخوته، ليطمئن على وحيده، لكن الجميع كان يهدأ من خوفه بالقول:" القصف عند السياج الفاصل ولمجموعة من الشباب"، لكن أين محمد؟ كان هذا السؤال الذي لم تستطع العائلة الإجابة عليه، وكل محاولات البحث عن الإجابة باءت بالفشل.

بين الخوف والدعاء كانت الأفئدة تتأرجح، حتى أُعلن أخيرًا عن استشهاد ثلاثة من الأطفال كان من بينهم الطفل محمد.

بمعالمٍ من الحزن وعبارات الحمد تتردد على لسانه قال والد الشهيد:" لا اعتراض على قضاء الله، أحمده على ما أصابنا، فلذة كبدي ليس هو الوحيد راح فداءً لقضيتنا الخالدة".

وبالكاد تشقّ الابتسامة على ملامح ذاك الأب المكلوم " الحمِل ثقيل، لكن حمود مش أحسن من الذين سبقوه، مصيره كمصير العديد من الشهداء الأطفال".

وكان محمد متفوقًا بدراسته يحفظ 23 جزءًا من القرآن، يُحب صيد العصافير وتربية الحمام، وتصليح الدرجات الهوائية، يُتابع والده:" كان سندي في المنزل ويعرضنا للكثير من الاعتداءات السابقة وأبرزها هدم المنزل عام ٢٠١٤ .

إحدى أخواته، بصوتٍ يُبكي الحجر عبّر عن حزنها بالقول:" أنا زعلانة لأنه أخي الوحيد، حسبنا الله ونعم الوكيل"، ورغم المصاب الجلل الذي ألمّ بهذه العائلة إلا أنهم يفتخرون بأن الله اصطفي وحيدهم شهيدًا رغم صغر سنه.

أخته هي الأخرى طفلة لم تشهد في سنوات حياتها إلا حروبًا ثلاثة، وحصار اقتصادي شديد، كانت تشدّ أزرها بمحمد تُكمل حديثها:" كان هو يجبلنا كل حاجة، وبيحبنا كتير، ما بقدر أمضى الحياة من دونه".

محمد واحد من الشهداء الأطفال الثلاثة الذين تمّ قصفهم بطائرات الاحتلال قرب بوابة النمر قرب السياج الفاصل، شرقي مدينة دير البح وسط قطاع غزة، وعبّر المواطنون عن حزنهم الشديد لقتل الأطفال بدمٍ بارد مطالبين المقاومة بالرد على هذه الجريمة البشعة. 

أ.م