أرقّ ما يكون قلب المرء مع أبنائه، وليس ثمة ما يُشعر الأم بالاطمئنان أكثر من رؤية فلذات أكبادها تُحلق حولها بخفّة الطيور، فكيف إذا داهم شبح الموت أطفالها أمام عينيها!

في يوم ما .. في ساعة ما ظللت سُحُب داكنة سماء عائلة ريان، تلك العائلة الطيّبة التي لم يكتمل فيها نور الحب، هدى لم تكن تعلم أن ذاهبها مع طفلها محمد (6 سنوات) إلى السوق هو الذهاب الأخير الذي لن يعود بها إلى بيتها إلا محملة بكفنٍ أبيض، حيث افتدت ابنها بروحها.

السيدة هدى قرموط (28 عامًا) التي توفت إثر حادث طرق بالقرب من مفترق الشجاعية شرق مدينة غزة عصر يوم الأحد الماضي، أثناء محاولتها انقاذ ابنها محمد ريان من الموت.

سبق24 تواصلت مع إحدى معارف المرحومة هدى لمعرفة تفاصيل الحادث، تقول السيدة:" صلّت هدى الظهر وذهبت برفقة ابنها محمد إلى السوق لشراء ملابس الشتاء، وبينما كان يحاول محمد قطع الطريق برفقة أمه كانت سائق شاحنة نوع فولفو "شاحنة مزودة برافعة" ومتجه بها من الجنوب باتجاه الشمال شارع صلاح الدين ولدى وصوله على بعد 100 متر من مفترق الشجاعية صعد بالعجل الأمامي الأيسر للشاحنة فوق الساق اليمني للطفل".

عند رؤية هدى لمشهد ابنها والموت يبتلعه لم تتمالك نفسها وصرخت عليه مسرعة نحوه لإنقاذه فصعد العجل الأمامي نفسه فوق جسدها، وتم نقل السيدة وطفلها إلى مستشفى الشفاء وقد تم بتر الساق اليمني تحت الركبة للطفل ودخولهما قسم العناية المركزة لخطورة وضعهما الصحي "، قبل الإعلان عن وفاتها.

هدى الأم الطيّبة صاحبة القلب الحنون لم تفكر بشيء سوى ابنها، لم تستطع أن تخذل نظرات عيونه وهو ينادي عليها " ماما"، هي الأم إذن خفقات فؤادها تهبها لرعاية أبنائها، وتُكمل السيدة: لم تتواني للحظة في دفع روحها ثمن لإنقاذ حياة حبيبها وفلذة كبدها".

وتعرض الطفل محمد لنزيف حاد أدى لهبوط دمه لـ 5، مما احتاج لوحدات دم كبيرة، وبين كل هذه الأوجاع لازال محمد يُنادي " بدي ماما" ولا يعرف أحد كيف سيخبرونه بحقيقة ما حصل مع أمه.

محمد وحيد على ابنتين، واحدة بعمر ثماني سنوات، والصغرى عام ونصف، كبيرة هي فكرة الموت على هاتين الصغيرتين! فكيف لو كان موت أمهم؟ ومع ذلك كم ستبكر معاني الأمومة في نظر أطفال هذه الأم حين يكبرون ويعرفون أن روحها شيء غالٍ وثمين لكنها لأجلهم ترخص.


أ.م