مذكرات طبيب

أنا الطبيب رائد الأسطل، كنت في الثامنة عشر حين تركتُ مدينتي خان يونس وسافرت إلى أوكرانيا بقرارٍ من والدي عام1992 ، فقد كان يخشى عليّ من آثار العمل في "الأسمنت وتركيب البلاط" وأنا الذي كنت أساعده في عمر السادسة عشر، ما دفعه ذات مرّة لخلع كل البلاط الذي اشتغلتُه ليثنيني عن ذلك العمل.
كان قرار السفر صعبًا على شابٍ لم يبت يومًا خارج منزله، ولا يتردّد على أكثر من البيت والمدرسة والمسجد، لكنني سافرت وتركت قلبي في خان يونس، فمعدلي في الثانوية العامة كان يؤهلني لدراسة الطب في تلك البلاد البعيدة.
وصلتُ العاصمة "كييف" بعد مواجهة الكثير من العقبات ومن بعدها تعرّضتُ لسرقة حقيبتي التي تحوي كل أغراضي قبل التقدم للامتحانات بشهر واحدٍ فقط، لكنني تخطّيتها بفضل الله وكرمه، وقدّمت الامتحانات وحصلت على المرتبة الأولى فكانت تلك المرتبة فارقة في حياتي وتقدمي.
كانت المعلمة الأوكرانية تطلب مني مساعدتها آنذاك في إعداد الكُتيبات الدراسية لشدة ما وثقت بقدراتي.
في أوكرانيا كان لدقيقة المكالمة الهاتفية قيمةٌ عظيمة ، فما زلت لا أنسى ذلك اليوم الذي علمنا فيه أن سعر المكالمات الدولية سيرتفع في اليوم التالي، انتظرت الدورَ طويلًا في البريد المركزي وحينها كلّمت كل أهل حارتي في ثمانين دقيقة.
وفي كل يومٍ كنت أكتب رسالةً لأهلي وأضعها في البريد، فتصلهم في وقتٍ متأخر حتى أنني حين عدت للقطاع وصلتُ وكانت بعض رسائلي لم تصل بعد.
كنت الأول على الدفعة في الجراحة العامة على العرب والأوكرانيين، ولكنني اخترت فرع الأمراض الصدرية وفاءً لوالدي الذي كان يعاني من حساسية في الصدر.
أما عن النظام في الدراسة الجامعية فكان يقوم على أساس المجموعات، كل مجموعة فيها عدد معين من الطلبة، وكنت منافسًا للشابة المتفوقة والأولى على المجموعة، والتي جمعني بها القدر زوجةً وفيةً فيما بعد، لمحتُ ثلوج أوكرانيا بوجهها وسماءها الزرقاء بعينيها، لقد تميزَّت بردائها الطويل والمحتشم فصارت نجمةً في سماء قلبي.
علّمتني سنوات عمري وتجاربي أن الحياة قصيرة، وأن لحظة واحدة قد تُنهي كلّ شيء مهما كان ثمينًا، وأنّ الله تعالى يحفظ من يحفظه.
ففي طريق عودتي أنا وعائلتي من أوكرانيا لغزة، تعرضنا لحادث ضخم في سيناء، أُصِبنا وتأذينا كثيرًا وكاد الاصطدام يودي بحياتنا جميعنا لولا لطف الله وحفظه، ليس هذا فحسب، فذات يوم وأنا في القطار كنت شاردًا بالنظر من النافذة إلى الطبيعة الخريفية حيث سأغادر بعد يومين لغزة، لم أتعب بتاتا من الوقوف أمام الشباك المزدوج ذو سماكة السنتيمتر ولم يتوفر حينها أي سبب لترك هذا الشباك الكبير ولكن هي عناية الله التي جعلتني فقط أتنحى جانبا عن الشباك لأقف وراء الفاصل ذي الأربعين سنتيمترا وبعدها بثلاثة ثوان انفجر هذا الشباك بفعل إصابته بحجر من الخارج ليتحطم الى العشرات من القطع الطويلة والتي تشبه السيوف والسكاكين الطويلة وتسقط أمام قدماي وتجعلني واقفاً لمدة ٣ دقائق متجمدا مكاني دون حراك بينما الثلاثة رجال بالجوار في الغرفة ينظرون باندهاش إلى الزجاج وإلى جسدي دون أن تتحرك ألسنتهم لقول شئ من شدة التعجب من عناية الرحمن ليقول لي أحدهم بعدها: أنت وُلدت من جديد.
أحمدك يارب وأشكرك كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
واليوم أعمل طبيبا في مدينتيّ لا أدخر جهدا في مساعدة المرضى، إننا مسؤولون أمام الله تعالى عن كل أعمالنا "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا".









غزة_سبق24