كان رجلًا صامتًا غير مشاركٍ في الحديث، ينظر إلى ليلاس طه ويستمع لما تقرأ مما خطّته في روايتها باهتمام شديد، الكل من أعضاء جمعية الكتاب والأدباء في أمريكا يبدي رأيه ويقدّم ملاحظاتِه عداه!

اقترب منها هذا الرجل أخيرًا وأخبرها..

 "إنني من أشدّ المساندين لـ"إسرائيل"، صمتت منتظرةً رأيَه كالبقيّة .. "روايتك دفعتني للاهتمام -لأول مرةٍ- بشخصيةٍ فلسطينيةٍ".

لقد استطاعت المهندسة والكاتبة ليلاس بروايتها الأولى أن تصل لعقل وقلب هذا الرجل المساند لدولة الاحتلال، ما شجعها على مواصلة الكتابة.

 

منذ طفولتها؛ دأبت ليلاس على كتابة أفكارها وخيالاتها، فكانت هوايتَها وملاذَها الآمن، واستحّل والداها مساحة كبيرة من التشجيع لشحذ قدراتها في التعبير، إلى جانب حسن حظها بالدراسة على أيدي معلمات فاصلات في مدارس الكويت كُنّ يحثثنها على المتابعة في الكتابة ومشاركة موضوعاتها عبر الإذاعة المدرسية.

 

تقول: "ظلت هوايتي الأدبية في حيزها الخاص والشخصي جدا، وهي بمنزلة بطانية الأمان التي رافقتني أينما حللت لتجلب لي الهدوء والسكينة، حتى وإن تحتم عليّ بعد دراستي للهندسة أن أكتب بأسلوب علمي مستخدمة لغة الأرقام والمنطق".

 

ليلاس المولودة في الكويت لأبٍ فلسطيني وأم سوريّة تخرجت من جامعة الكويت بشهادة بكالوريوس الهندسة الكهربائية وعملت لمدة عام حتى وقعت حرب الخليج عام 1990 فانتقلت تحت ظروف مؤلمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد التهجير

لم تتمكّن من الحصول على أوراقها الكاملة التي تثبت شهادتها الجامعية، وجدت نفسها  في بلدٍ غريب، تبحث عن مستقبلٍ بعد أن تبدّد كلّ ما بنته من أجله.

بدأت تتردّ على أساتذة قسم الهندسة في جامعة ويسكونسون  أملًا في إعطائها فرصة تثبت فيها أن مهندسة بالفعل، فاجتازت الكثير من الامتحانات وأثبتت تميّزها وقُبِلت في برنامج الماجستير إلى أن تمكّنت من إحضار ما يثبت شهادتها من الكويت.

 

ترعرعت ليلاس في الكويت، لكن معظم إجازاتها الصيفية كانت تقضيها في دمشق حيث عائلة أمها وبعض أفراد عائلة أبيها اللذين وصلوا لسوريا كلاجئين فلسطينيين عام 1948.

 

لقد كانت حياتُها في الكويت التي تُعدّ خليطًا من الثقافات والخلفيات العربية منصة ممتازة للانطلاق وهيأتها لأن تكون مرنة في حياتها.

 

ليلاس تشربت ثقافة المجتمع السوري بجانب العادات والتقاليد الفلسطينية، وعندما اندلعت حرب الخليج فقدت تلك البقعة الصغيرة من الأمان التي كانت تطفو عليها ووجدت نفسها على أرض جديدة في عالم أجنبي، عدا عن أن عائلتها استقرت في الأردن وبعض أفرادها هجروا مرة أخرى إثر اندلاع الحرب السورية.

تعلق: "هذا الأسلوب في المعيشة ولد لديَّ إحساس متناقض، بأنني أعيش في وضع وحالة مؤقتة، أو مُعلقة كما هو الحال مع أبناء جميع اللاجئين على ما أظن، وفي وضع مستمر وثابت في ذات الوقت، إذ بقيت فلسطين "الفكرة" التي تكلم عنها أبي بكل حب وحنان ".

 

أخبرها أنها أرض الوطن السِّحرية التي يتمثل فيها كل ما يخطر في مخيلتها من أمور تخلق الشعور بالانتماء، وهي المرساة التي تُثَبِّتت زورق حياتها المتأرجح هنا وهناك.

أطياف دمشقية

"عندما بدأت الحرب في سوريا دفعني قلقي البالغ على أقربائي العالقين في دوامة العنف لأن أكتب قصة لتعبر عما يهيج في نفسي من مشاعر وانا أعيش بأمان في الولايات المتحدة بعيدة عنهم وعن كل ما يحيق ببلد أعتز به وأحبه" تعبر.

 استخدمت اللغة الانجليزية لأول مرة كأداة للتعبير، وتحت تشجيع هائل من زوجها وصديقة حميمة لها خرجت روايتها الأولى للنور بعد أن تم نشرها من قبل دار نشر أمريكية تحت عنوان "أطياف دمشقية"، وبعد أن لقت الرواية استحسان القرّاء والنقاد في أمريكا، تولدت لديها فكرة استخدام اللغة الانجليزية لايصال ما يمر به الفلسطيني للقارئ الغربي، وقد تزامن ذلك مع انطفاء البريق من عيني والدها.

 

في آخر مرة زارها والدها في أمريكا، رأت ليلاس شيئا مخالفا في نظرته، ثمة بريق خاص كان يشع دوما في عينيه كلما تحدث لهم عن سنواته في فلسطين، ذلك الشُعَاع انطفأ، وهذا الأمر آلمها جدًا.

 

 أدركت ليلاس أن والدها  فقد الأمل في رؤية فلسطينه الحبيبة، فقررت أن تكتب عن عالمه لكي ترجع ذلك البريق وتبقيه منشغلا بالأمل معها.

كانت تكتب كل ليلة، ثم تقرأ له ما دونته كل صباح وتدعوه لكي يتكلم أكثر، يتذكر أكثر، ويعبر أكثر. وقد تناقشا باستمرار " كانت هذه الأيام التي قضيتها مع والدي لمدة عام نتحدث معا عن أناس اختلقتهم بمخيلتي من أمتع ما مررت به في حياتي. هكذا ولدت رواية "اللوز المر" ولذلك بدأت بكتابتها".

 

 ولكن شاء الله أن يتوفى والدُها قبل بضع أسابيع من توقيع عقد نشر رواية "اللوز المر" التي نشرت أولا بالانجليزية وفازت بجائزة الكتاب الدولية الأمركية لعام ٢٠١٧ في فئة الثقافات المتعددة، ثم خرجت بحلتها العربية فالنرويجية، وكانت تدور حول محور التهجير والعيش بعيدا عن الوطن.

 

ومؤخرًا نشرت رواية ليلاس الثالثة بعنوان (Lost In Thyme)، والتي اختيرت للمرحلة النهائية في مسابقة الكتب العالمية لفئة الخيال في مجال الإلهام للعام ٢٠١٩، وتعمل حاليًا على كتابة الجزء الثاني من القصة في رواية ملحقة، وتتناول الروايتان ما يمر به الشباب والشابات الأمريكيون من أصول فلسطينية من أمور تتعلق بالجذور والهوية وتناقش مبادئ الوجود والمقاومة، كما أنها بصدد كتابة عمل آخر في رواية مختلفة تتناول مفاهيم قلَّما يتم الكتابة عنها.

الحياة في غربة عن الوطن والأهل وعن كل ما هو مألوف لها مصاعبها، لقد حاولت  ليلاس برفقة زوجها غرس نفس المفاهيم التي تعتز بها في نفوس أولادها، وبخاصة حب وطن بعيد وغالي وغير محسوس .

"حب الوطن مهما كان، مثله مثل الحب العاطفي، ان لم يكن أقوى وأعمق، إنه يسمو فوق أية حدود أو مصاعب، هو حب أزلي لا ينطفئ، وهو لغة خاصة لا تحتاج الى ترجمة لأنها مفهومة لدى كل الجنسيات وعامة الثقافات".

غزة_سبق24